أنشدني إسحاق بن إبراهيم الموصلي لنفسه ، في الفضل بن يحيى ، وأخبرني أنه قال هذا الشعر ، وعمل فيه لحنا ، وغناه به ، وأنه أمر له بشيء ذهب عني مبلغه :
وقائل قال لي لما رأى زمني * يبري عظامي بري القدح بالسفن
هل كان بينكما فيما مضى ثرة * فصار يبغيك بالأوتار والإحن
لو كان بيني وبين الفضل معرفة * فضل ابن يحيى لاعداني على الزمن
هو الفتى الماجد الميمون طائره * والمشتري الحمد بالغالي من الثمن
ولما صار الفضل إلى خراسان أزال سيرة الجور ، وبنى الحياض والمساجد والرباطات ، وأحرق دفاتر البقايا ، وزاد الجند والقواد ، ووصل الزوار والكتاب في سنة تسع وسبعين ومائة بعشرة آلاف ألف درهم ، وأمر بهدم البيت المعروف بالنوبهار ، فلم يقدر على هدمه لوثاقته ، وعظم المئونة عليه ، فهدم منه قطعة ، وبنى فيها مسجدا ، واستخلف عمر ابن جميل على خراسان ، وانصرف في آخر هذه السنة إلى العراق ، فتلقاه الرشيد ببستان أبي جعفر لما ورد ، وجمع الناس وأكرمه غاية الاكرام ، وأمر الرشيد الشعراء بمدحه ، والخطباء بذكر فضله ، فكثر المادحون له ، فأمر الفضل بن يحيى أحمد بن سيار الجرجاني أن يميز أشعار الشعراء ويعطيهم على قدر استحقاقاتهم ، فمشى داود بن رزين ، ومسلم بن الوليد ، وأبان اللاحقي ، وأشجع السلمي ، وجماعة من الشعراء ، اليه ، فسألوه أن يضع من شعر أبي نواس ، ولا يلحقه بنظرائه منهم ، وتحملوا عليه بغالب بن السعدي ، وكان يتعشقه ، فلما عرض أبو نواس شعره على الجرجاني رمى به : وقال : هذا لا يستحق قائله درهمين ، فهجاه أبو نواس فقال :
بما أهجوك لا أدري * لساني فيك لا يجري
إذا فكرت في قدرك * أشفقت على شعري
واتصل الخبر بالفضل ، فوصل أبا نواس وأرضاه ، وصرف الجرجاني عن تمييز الشعر .
وكان شخص مع الفضل إبراهيم بن جبريل على شرطه ، فوجهه إلى كابل ، فافتتحها وأفاد مالا عظيما ، ثم ولاه سجستان ، فوصل اليه سبعة آلاف ألف درهم ، وحصل في يده من خراجها أربعة آلاف ألف درهم ، وانصرف إلى العراق ، فلحق به إبراهيم بن جبريل ، وبنى داره في البغيين ، وسأل الفضل أن يزوره ليزيد نعمته عليه ، وأعد له من كل صنف ، وأحضر الأربعة الآلاف ألف الدرهم ، فلما حضر الفضل وتغدى ، عرض عليه ما أعد له ، وذكر له حال المال ، فأبى أن يقبل منه شيئا ، وقال له : لم آتك لاسلبك ، فقال : أيها الأمير ، نعمتك علي ظاهرة متظاهرة ، فقال له : ولك