وكذا ، وأجبتهما إلى أخذ المال ، فقال : صواب ، لو أقمت معهما احتجت إلى تعب ، ولزمتك مؤن ، وكان ذلك أربح لك ، ولكن هذا أروح ، فخذ المال ، وتبلغ به ، والزمنا ، فانا لا نقصر في كل ما يمكننا في أمرك ، فخرجت فأخذت من الرجلين المال ، ثلاثين ألف دينار ، وما بين ذلك وبين بيع المنديل الا أربعة أيام ، فصرت إلى أبي ، فأخبرته الخبر ، وقلت له : جعلني اللّه فداك ! تأمر في المال بأمرك . فقال : نعم ، أنا أحكم عليك في هذا المال بما حكم به أبو خالد على التاجرين ، أي أن لي الثلث ، فحملت اليه عشرة آلاف دينار ، واشتريت بعشرة آلاف دينار عقدة ، ولم أزل أنفق الباقي إلى أن أداني إلى هذه الحال ، وانما حدثتك يا بني هذا ، لتعرف للرجل حقه .
فقلت ليحيى بن خاقان : فما كان من يحيى إلى أحمد بن أبي خالد ؟
فقال : ما زال وولده على غاية البر له والتحريك ، حتى نال ما نال من الوزارة بذلك الأساس الذي أسسوه .
وكانت وفاة أبي خالد يزيد الأحول في سنة ثمان وستين ومائة .
قال إسحاق بن سعد حدثني أبو حفص عن العتابي قال :
كنت أنا ومنصور بن زياد عند يحيى بن خالد ، ويحيى يتحدث ، قال :
والخدم يعبثون ويترامون بالبطيخ ، حتى جاءت بطيخة فأصابت وجهه ، فو اللّه ما تحرك ولا غضب ، فقال له المنصور : أصلحك اللّه ! لو نهي هؤلاء وأخيفوا حتى لا يجترئوا على مثل هذا ! فقال : اللهم غفرا ، نحن نحب أن نؤمن من بعد عنا ، فكيف نخيف من كان على بساطنا !
وقلد الرشيد حجابته محمد بن خالد بن برمك في سنة اثنتين وسبعين ومائة .
وعرض ليحيى بن خالد رجل من أهل الشام ، من بني أمية ، فترجل له فرأى شيخا وسيما ، له رواء وهيئة ، فلما عاد إلى مجلسه دعا به ، وسأله عن سببه ونسبه ، فأخبره أنه رجل من بني أمية ، وأن مسألته التي إليها يقصد وصوله إلى أمير المؤمنين ، فقال له يحيى : الصدق أولى بي ، وأمير المؤمنين يستثقل هذا النسب ، فانظر ما تلتمسه منه ، فألقه إلي ، فان تكن مظلمة رددتها ، وان تكن صلة بذلناها ، وما بين ذلك من الحوائج فغير معتذر إليك من شيء منها ؟ فقال الرجل : الذي سألت ما سمعت أيها الوزير واني لاعلم أنكم يا آل برمك معادن الخير ، فان سهل أن تذكرني له ، فان أذن فهو ما أردت ، وان رد فقد قضيت أيها الوزير ما عليك ، وأوجبت علي شكرك أخرى الليالي الغوابر . فذكره يحيى للرشيد ، وخبره بما دار بينهما ، فأمره بايصاله اليه ، فلما وقعت عين الأموي عليه استأذن في الكلام ، فأذن له ، فتكلم وأحسن وأبلغ ، ثم أنشد :
الوزراء والكتاب — صفحة 120
مساهمون: أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري
ص١٢٠