واللّه يا سيدي ، قال : ولا لبعض الجواري والأهل ؟ قلت : لا ، ثم ذكرت صبية لبعض أمهات أولادي ، ما وضعت يدها على العود الا أنها مطبوعة ، ولها حليق ، فقلت : صبية ريض ، وليست بشيء ، ووصفتها له ، وحقرتها عنده . قال : لا تبال ، هو ذا يبكر إليك من يطلبها منك ، فإياك وإياك أن تنقصها من مائة ألف دينار . قلت : يا سيدي ، انما قيمتها مائتا دينار .
وقال لي : لو أنها تساوي درهما لا تنقصها من مائة ألف دينار ، وإياك وإياك أن تنقص من ذلك شيئا ، قال : فقلت في نفسي : هذا رجل قد غلب عليه النبيذ ، ولم يكن لحاجتي عنده موضع ، فهو يسخر مني ، فانصرفت مكروبا ، وغلب علي السهر إلى وقت الصبح ، فهومت قليلا ، ثم قمت للصلاة ، وقد كنت استظهرت بأن ابتعت الصبية عند منصرفي من مولاتها بمائتي دينار ، وقلت للغلام لما صليت : هو ذا أنام ، فكل من جاء فاصرفه عني ، الا أن يجيء رجل من قصته كذا ، وقد كان يحيى وصفه ، فأنبهني له ، ويئست من الضيعة ، وأخرجتها عن قلبي ، فما طلعت الشمس جدا حتى أنبهني الغلام ، وقال : قد جاء الرجل ، فأذنت له ، وطلب الجارية ، فأخرجتها ، وساومني ، فاستمت مائة ألف دينار ، فاستكثر ذلك ، وأعطاني ثلاثين ألف دينار ، وأنا لست أصدق ، ثم لم يزل يزيدني حتى بلغ خمسين ألف دينار ، فقلت : أحضر المال ، فقال : ها هو ذا ، فحمله إلي . وتسلم الجارية ، فحللت المال ، فأخرجت أربعة آلاف دينار ، ووجهت بها إلى الوكيل ، وتركته على جملته ، وقلت : لا بد للرجل من أن يرجع يسترده ، ويرد الجارية ، ولكن نحصل ثمن الضيعة ، ويقع النظر فيه ، وركبت إلى دار السلطان ، فأقمت إلى الليل ، وانصرفت ، فسألت عن الرجل ، فقيل لي لم يرجع ، فحمدت اللّه ، وبكرت إلى يحيى فشكرته ، فلما رآني قال :
هات حديثك ، فحدثته ، فقال : أنا للّه ! أي شيء عملت ؟ ذهبت منك خمسون ألف دينار ! ثم أسر إلى الغلام ، فمضى وجاء ومعه الجارية ، فقال : أتعرف هذه ؟ فقلت : نعم يا سيدي ، هذه التي منّ اللّه عز وجل بك علي في أمرها ، فقال : خذها ، وهو ذا يجيئك من يطلبها ، فلا تنقصها من خمسين ألف دينار ، فأخذت بيدها ، وجاءني من يطلبها ، فبعتها منه بثلاثين ألف دينار ، وعدت إلى يحيى ، فسألني وخبرته ، فلا مني أيضا وشكرته ، وقلت استحييت من اللّه أن اخذ أكثر من هذا ، فأخرج الجارية ومعها كسوة وطيب ، بألوف دنانير ، وقال : قد تبركت لك بها ، فاتخذها لنفسك ، ففعلت ، فهي واللّه أم طياب ولدي ، قال : وقلت : ما قصة هؤلاء مع هذه الجارية ؟ قال : ويحك ! أما الأول فخليفة صاحب مصر ، وهو مقيم على بابي منذ سنة ، يسألني مسألة أمير المؤمنين في حاجة بمائة ألف دينار ، وأنا لا أسأله ، فلما شكوت
الوزراء والكتاب — صفحة 117
مساهمون: أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري
ص١١٧