تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والكتاب — صفحة 119

مساهمون:

ص١١٩
يقل لي حرفا ، فانصرفت منكسف البال منكسرا ، منكرا على نفسي اسرافي في الشكوى ، واطلاعي إياه على ما أطلعته عليه من أمري ، فقلت : ما زدت على أن هجوت نفسي ، وقللتها في عينه ، من غير نفع ، ولو صبرت لأتى اللّه بما هو أهله . قال : ووافيت إلى منزلي على حال أنكرتها أهلي ، من الفكر ، فقالت لي ما حالك ؟ وما قصتك ؟ فقلت لها : جنيت اليوم جناية كنت عنها غنيا ؟ فقالت لي : وما هي ؟ قلت : لقيت يزيد الأحول الكاتب ، فقلت له : كيت وكيت ، فمضى ، فلم يجبني بحرف ، فذممت نفسي على خنوعها وبثها حالها إلى من لا ينفعها ، قال : فأقبلت علي توبخني وتقول : ما حملك على ما فعلت ، وأن أظهرت للرجل من ذلك ما أظهرت ! فان أقل ما في ذلك ألا يأتمنك على شيء ، فان من تناهت به الحال إلى مثل ما ذكرت كان غير مأمون على ما يؤتمن عليه ، ويجعل اليه ، فنالني من توبيخها وعذلها أضعاف ما نالني أولا ، وأصبحنا في اليوم الثاني ، فوجهت أحد ثوبي ، فبيعا ، وتبلغنا به ذلك اليوم وفي اليوم الثالث ، فلما كان في اليوم الرابع ، وقد ضاقت نفسي ، وغلبني الفكر ، وعاتبتني على ذلك أهلي ، وقالت لي : أنا خائفة عليك مما أرى الوسواس ، فيكون ما نحتاج اليه لعلاجك ، أضعاف ما نحتاج اليه لمئونتنا ، فسهل عليك ، فان اللّه الصانع . فركبت في ذلك اليوم لا أدري أين أقصد ، الا أنني أؤم الجسر ، ثم انصرف ، لابلى عذرا في الطلب عند أهلي ، فلما صرت إلى قنطرة البردان ، لقيني لاق ، فقال : قد رأيت في يومنا هذا من يطلبك ثم لم ألبث أن لقيني من خبرني بمثل ذلك ، فقصدت الدار ، لأعرف الخبر ، فلقيني بالقرب منها رسول ، فقال لي : أبو خالد يطلبك وإياك أردت فدخلت الدار والرسول معي فألفينا أبا خالد داخلا ، فقال لي حاجبه : أمرنا باحضارك ، وأن ننتظره إلى أن يخرج ، فأقمت ، وخرج مع الزوال ، ومع غلامه كتب كثيرة ، فقال له : قد حضر يحيى ، فقال : هاته ، فقمت ودنوت منه ، فقال لي : يا بني أخي ، شكوت إلي بالأمس شكوى لم يكن ينفع في جوابها الا الفعل ، إذ كانت الحال قد تأدت إلى ما تأدت اليه ، ثم أمر باحضار أبي جميل وزاهر ، تاجرين كانا يبيعان الطعام ، فأتى بهما ، فقال : قد علمتما اني بايعتكما البارحة بثلاثين ألف كر ، على أن ابن أخي هذا شريككما فيها بالسعر ، ثم التفت إلي فقال : لك من هذه الاكرار عشرة آلاف كر ، فان دفعا إليك ثلاثين ألف دينار ربحك ، وآثرت أن تخرج اليهما من حصتك ، فعلت ، وان آثرت أن تقيم على هذا الابتياع ، فعلت : فتنحينا ناحية ، فتناظرنا ، فقال لي التاجر : أنت رجل شريف وابن شريف ، وليست التجارة من شأنك ، ومتى أقمت على هذا الابتياع احتجت إلى كفاة وأعوان ، ولكن خذ منا ثلاثين ألف دينار ، وخلنا والطعام ، فقلت : قد فعلت . فقمنا إلى أبي خالد ، فقلت : قالا لي : كذا