أيام هارون الرشيد
منزلة يحيى بن خالد عند الرشيد وأعماله :
ولما تقلد هارون الخلافة دعا يحيى بن خالد ، وكان يخاطبه بالأبوة ، وعلى ذلك أجراه في خلافته ، فقال له : يا أبة ، أنت أجلستني هذا المجلس ببركة رأيك ، وحسن تدبيرك ، وقد قلدتك أمر الرعية ، وأخرجته من عنقي إليك ، فاحكم بما ترى ، واستعمل من شئت ، واعزل من رأيت ، وافرض من رأيت ، وأسقط من رأيت ، فاني غير ناظر معك في شيء . فكان يحيى وأبناه الفضل وجعفر يجلسون للناس جلوسا عاما في كل يوم ، إلى انتصاف النهار ، ينظرون في أمور الناس وحوائجهم ، لا يحجب أحد ، ولا يلقى لهم ستر . وقام يحيى بالأمور ، وكان يعرض على الخيزران ، ويورد ويصدر عن أمرها ، واحتفر القاطول ، واستخرج نهرا سماه أبا الحيل ، وأنفق عليه عشرين ألف ألف درهم ، وقلد ثابت بن موسى ديوان العراقين وخراج الشام ، وأمر باجراء القمح على أهل الحرمين ، وتقدم بحمله من مصر إليهم ، وأجرى على المهاجرين والأنصار ، وعلى وجوه أهل الأمصار ، وعلى أهل الدين والآداب والمروءات ، واتخذ كتاتيب لليتامى . وكانت الدواوين كلها إلى يحيى بن خالد مع الوزارة ، سوى ديوان الخاتم ، فإنه كان إلى أبي العباس الطوسي . وكان يحيى أول من أمر من الوزراء ، وكان أول من زاد في الكتب : « وأسأله أن يصلي على محمد عبده ورسوله » وأنشأ في ذلك كتابا ، وذكر فيه فضل الأنبياء عليهم السلام .
وكان الرشيد ساخطا على إبراهيم بن ذكوان الحراني ، فحبسه وقبض أمواله ، فحبسه يحيى في داره ، وكفه عنه ، وتلطف إلى أن استكتبه لمحمد بن سليمان بن أبي جعفر ، وكان يلي البصرة ، فأشخصه .
وأمرت الخيزران أن يقتل من كان تسرع إلى خلع الرشيد ، ودعا إلى بيعة جعفر بن الهادي ، فقال لها يحيى : أو خير من ذلك ، قالت : وما هو ؟
قال : يرمى بهم في نحور الأعداء ، فان دفعوا عن أنفسهم كان لهم في الدفع