تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوزراء والكتاب — صفحة 109

مساهمون:

ص١٠٩
وحكي أن الهادي سخط على بعض كتابه ، ولم يسم لنا الكاتب ، فجعل يقرعه بذنوبه ، ويتهدده ويتوعده ، فقال له الرجل : يا أمير المؤمنين ، ان اعتذاري فيما تقرعني به رد عليك ، واقراري بما بلغك يوجب ذنبا علي لم أجنه ، ولكني أقول :
فان كنت ترجو في العقوبة رحمة * فلا تزهدن عند المعافاة في الاجر
فصفح عنه ، وأحسن اليه .

الهادي وهارون الرشيد :

ثم تنكر موسى لهارون الرشيد ، وعمل على خلعه ، وتقليد ابنه جعفر ابن موسى ، وهو طفل ، فعزم هارون على اجابته ، فمنعه يحيى بن خالد ، فبذل له موسى « الهنى والمرى » من أعمال الرقة ، فقال هارون ليحيى : إذا نزلت على « الهنى والمرى » وخلوت بابنة عمي ، يعني أم جعفر ، وكان يجد بها وجدا شديدا ، فما أريد شيئا . فقال يحيى : انها الخلافة ، ولعل ما تقدر أنه يبقى لك لا يبقى ، ولم يزل به حتى ثبته . فدعا موسى يوما بيحيى ، فلما دخل عليه أكرمه ، ورفق به ، فقال له : أنت الذي يقول فيك القائل :
لو يمس البخيل راحة يحيى * أسمحت كفه ببذل النوال
فقال له : تلك راحتك يا أمير المؤمنين ، وقبل يده ورجليه ، فأمر له باقطاع ، ووصله بعشرين ألف دينار ، ثم ناظره في خلع هارون ، فقال له : يا أمير المؤمنين انك ان حملت الناس على نكث الايمان هانت عليهم ايمانهم وجرأتهم على حل العقود التي تعقد عليهم ، ولو تركت الامر في بيعة أخيك بحاله ، وبويع لجعفر من بعده ، كان ذلك أوكد لبيعته ، فقال له : صدقت ونصحت . وأنا أنظر في هذا ، ثم صرفه . ثم لم تطب نفسه ، فدعا بيحيى فحبسه ، فتلطف في أن يدعو به ويخليه ، ففعل ذلك ، فلما خلا به قال : يا أمير المؤمنين ، أرأيت أن كان ما نعوذ بالله منه قبل بلوغ جعفر ، وقد خلعت هارون ، هل تتم الخلافة لمن لم يبلغ الحلم ؟ قال : لا ، قال فدع هذا الامر حتى يبلغ جعفر ، فإذا بلغنا اللّه ذلك ، فعلي أن آخذ بيد هارون حتى يبايعه عفوا ، واللّه واللّه يا أمير المؤمنين ، فإنك ان فعلت هذا ، وحدث ما نعوذ منه ، وثب على هذا الامر أكابر أهلك ، وخرج الامر عن ولد أبيك ، وو اللّه لو لم يعقد المهدي لهارون ، لوجب أن تعقد له ، ليكون في بني أبيك ، فشكر منه هذا القول ، وأطلقه . وأصيب إبراهيم الحراني بابن له ، فجزع عليه فعزاه موسى الهادي عنه ، فقال له سرك وهو بلية وفتنة ، وحزنك وهو ثواب ورحمة .
الوزراء والكتاب — صفحة 109 | أبو عبد الله محمد بن عبدوس الجهشياري