في لعن إبليس ، ولهذا السر منع الشرع الاحتجاج بالقدر ولما فيه من نسبة القبح إلى اللّه سبحانه وتعالى ، فينبغي ان الانسان لا ينظر ما قدر عليه إلا وينظر ان اللّه سبحانه وتعالى علم أن هذا هو استعداده فيرجع على نفسه على القدر ، فان القدر تابع للعلم ولذا رد اللّه سبحانه على القائلين ، وقال
( الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أَشْرَكْنا وَلا آباؤُنا وَلا حَرَّمْنا
من دونه
مِنْ شَيْءٍ )
حيث احتجوا بمشيئة اللّه ولم ينظروا إلى ما وراء ذلك من سبق العلم الأزلي بأنهم ما استعدوا إلا لما شاء اللّه فيهم فهم وان كانوا صادقين في أنه لا يمكن ان يكون شيء إلا مشيئة اللّه سبحانه وتعالى كما قال
( وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ
لكن غلطوا وكذبوا ) حيث جعلوا السبب هو المشيئة والقضاء والقدر ولم يجعلوه استعدادهم الكفر في العلم الأزلي ، وقوله :
فان كنت بالمقضى إلى آخره ، يقال له ان كان رضاك بالمقضى على جهة انك لا تستحقه ولم تستعده ماهيتك ، فهذا لا يرضى به اللّه لكونه كذبا عليه وزورا فان اللّه ما أعطاك إلا ما تستحقه ذاتك وما علمه في قابليتك .
روي أن إبليس قال يا رب كيف تأمرني بالسجود لآدم وما أردته مني ؟
فقال اللّه له : هل علمت ذلك قبل الامتناع أم بعده ؟ فقال : بعده ، فقال : بذلك آخذتك ، يعنى آخذتك باسناد الامتناع إلى ارادتى خصوصا وأنت لم تطلع على ذلك إلا بعد فكان المطلوب منك ان تعرف انى لم أرد بك ذلك إلا لكون استعدادك لذلك فتلوم نفسك ولا تسند الامتناع إلى إرادتي ، فكذلك رضي القائل بالمقضي على جهة اسناد الامتناع إلى إرادة اللّه ، هو المأخوذ به ، وقوله : فهل رضى إلى آخره نعم ليس لنا ان نرضى ما لا يرضى سيدنا سبحانه وتعالى وقد تقدم ان اللّه لا يرضى الكفر ولا يرضى ان يرضاه العبد ، ولا يرضى ان يسنده إلى قضائه من غير نظر إلى استحقاقه ذلك لما في ذلك من اسناد الظلم اليه سبحانه وتعالى ، وقوله : إذا شاء منى الكفر إلى آخره ، هذا مثل الأول وهو قوله : إذا ما قضى ربي ، فإن كان الرضى بمشيئة اللّه لكونها تابعة لعلمه سبحانه وتعالى الذي انكشف فيه استعداد