تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 94

مساهمون:

ص٩٤
الآخر ، وكان مقيما على ذلك الحال مدة من الزمان لا ينزل من ذلك الجبل أصلا ابدا فاتفق انه انقطع عنه الرغيف ليلة من الليالي فاشتد جوعه وقل هجوعه ، فصلى العشاء وبات تلك الليلة في انتظار شيء يدفع به الجوع فلم يتيسر له شئ . وكان في أسفل ذلك الجبل قرية سكانها نصارى ، فعند ما أصبح العابد نزل إليهم فاستطعم شيخا منهم فأعطاه رغيفين من خبز الشعير ، فاخذهما وتوجه إلى الجبل وكان في دار ذلك النصراني كلب اجرب مهزول فلحق العابد ونبح عليه وتعلق باذياله ، فالقى اليه العابد رغيفا من الرغيفين ليشتغل به عنه ، فاكل الكلب ذلك الرغيف ولحق العابد مرة أخرى واخذ في النباح عليه والهرير ، فألقى اليه العابد الرغيف الآخر ، فاكله ولحق به مرة ثالثة واشتد به هريره وتشبث بذيله ومزقه فقال له العابد : سبحان اللّه انى لم ار كلبا أقل حياء منك ، أن صاحبك لم يعطني إلا رغيفين وقد اخذتهما مني فماذا تطلب بهريرك وتمزيق ثيابي . فانطق اللّه الكلب فقال له لست أنا قليل الحياء ، اعلم انني ربيت في دار هذا النصراني احرس غنمه واحفظ داره واقنع بما يدفعه لي من خبز أو عظام وربما نسيني فابقى أياما لا آكل شيئا بل ربما يمضى علينا أيام لا يجد هو شيئا لنفسه ولا لي ، وأنا مع ذلك لم أفارق داره منذ عرفت نفسي ولا توجهت إلى باب غيره بل كان دأبى انه إذا حصل لي شيء شكرت وإلا صبرت ، وأما أنت فبانقطاع الرغيف عنك ليلة واحدة لم يكن عندك صبر ولا كان لك تحمل حتى توجهت من باب رزاق العباد ، إلى باب نصراني كثير الفساد ، وطويت كشحك عن الحبيب ، وصالحت عدوه المريب ، فقل أينا أقل حياء أنا أم أنت ؟ فلما سمع كلامه العابد ضرب على رأسه بيديه وخر مغشيا عليه ، وتاب إلى اللّه الكريم من ذنبه فتاب عليه . اللهم تب علينا وعلى أمة محمد أجمعين بحرمة حبيبك محمد وآله الطاهرين وصحبه الميامين أجمعين آمين .
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 94 | سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي / سيد محمد مهدي الخرسان