تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
قيل : اصطحب احمقان في طريق فقال أحدهما للآخر : تعالى نتمنى على اللّه فان الطريق ينقطع بالحديث ، فقال أحدهما : اتمني قطائع غنم انتفع بلحمها ودرها وصوفها ونسلها ، فقال الآخر : وأنا أتمنى قطائع ذئاب ارسلها على غنمك حتى لا تترك منها شيئا ، فقال : ويحك اين حق الصحبة وحرمة العشرة ! فتصايحا وتخاصما واشتدت بينهما الخصومة وتماسكا بالاطواق ، فرضيا بأول من يطلع عليهما ليكون حكما بينهما فطلع عليهما رجل بحمارين حامل عليهما زقين من عسل فحدثاه بحديثهما فانزل زقى العسل وفتحهما حتى سال العسل جميعه على التراب ، ثم قال : صب اللّه دمى مثل هذا العسل ان لم تكونا احمقين ، فقالا له : الأحمق من سيب بضاعته . ويستدل على الأحمق من حيث الصورة بطول اللحية ، لان مخرجها من الدماغ فمن افرط في طول اللحية قل دماغه ، ومن قل دماغه قل عقله فهو أحمق . وأما صفته من حيث الافعال : فترك نظره في العواقب وثقته بمن لا يعرفه والعجب وكثرة الكلام وسرعة الجواب من غير تأمل وسرعة الالتفات والخلو من العلم والعجلة والخفة والسفه والظلم والغفلة . ومن علامة الأحمق انه ان استغنى بطر وان افتقر قنط ، وان قال أفحش ، وان سئل بخل ، وان سأل ألح ، وان قال لم يحسن ، وان قيل له لم يفقه ، وان بكى صرخ ، وان ضحك قهقه ! وممن ذكر بالحذق والرأي : قيل إن القاضي اياس بن معاوية كان من أكابر العقلاء ، وكان عقله يهديه إلى سلوك طرق لا يكاد يسلكها من لم يهتد إليها ، وقد قدمنا في هذا الكتاب شمة من خبره ، وكان من جملة الوقائع التي صدرت منه وشهدت له بالعقل الراجح ، والفكر القادح ، انه كان بالبصرة رجل مشهور بين الناس بالأمانة ، فاتفق ان رجلا أراد ان يحج فاودع عند ذلك الرجل كيسا فيه جملة دراهم من الذهب ، فلما عاد من الحج جاء إلى ذلك الرجل يطلب منه كيسه فأنكره وجحده ، فجاء إلى القاضي اياس وقص عليه القصة ، فقال له القاضي : هل أخبرت
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 71 | سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي / سيد محمد مهدي الخرسان