تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 636

مساهمون:

ص٦٣٦
فبقى نهاره على حاله ، فلما امسى استوحش وبكى ، وجاءت العجوز اليه وقالت له : اصبر ولا تجزع ، فقال لها عين أهله : لقد صدق القائل حيث قال ( هان على الطليق ما لقى الأسير ) فقالت العجوز : ان حداثة السن قصرت بك عن ادراك حقائق الأمور ، ولكن اسمع حديثا لك فيه سلوة . ذكروا أن تاجرا كان له ولد وليس له غيره ، وكان شديد المحبة له ، فاتحفه صديق له بغزال صغير ، فعلق قلب ابن التاجر به ، وكان لا يفارقه ابدا وجعل له حليا نفيسا وارتبط له شاة ترضعه ، فلما اشتد الغزال نجم له قرنان ، فقال الولد لأهله : ما هذا في رأس الغزالة ، قالوا : قرناه فأعجبه سوادهما ، وقيل له : انهما سيكبران ويطولان ، فقال الولد لأبيه : ان رأيت يا أبت ان تشتري لي ظبيا كبيرا فاشترى له ظبيا ثنى السن ، فاعجب به الولد ، والف الغزال بالظبي للمجانسة الطبيعية فقال الغزال للظبي : ما ظننت قبل ان أدرك ان لي في الأرض شكلا ، ثم لما رأيتك وقع في نفسي ان لي اشكالا سواك ، فقال له الظبي : نعم ان اشكالك كثيرة فقال له الغزال : فأين هي ؟ فأخبره الظبي بتوحشها في الفلاة وانفرادها عن الناس وحدثه بمراتعها ومواردها وتناسلها فارتاح الغزال بما سمع من الظبي وتمني ان يراها فيكون معها ، فقال له الظبي : لا خير لك في هذه الأمنية ، فإنك قد نشأت في رفاهية ، فقال الغزال : لا بد لي ان أرى اشكالي ولا أبالي . فلما علم الظبي ان الغزال غير منتبه إلى قوله ، ولا يعرف التحرز من مكايد الانس لم يجد بدا من قضاء خدمته وحق ألفته ، فرأى يوما فرصة وخرجا معا إلى الصحراء ، فلما عاين الغزال الغزلان فرح ومرح ، وطفق يعدو ولا يثنيه شئ فسقط في واد ضيق قد قطعه السيل ، فنشب فيه وانتظر ان يأتيه الظبي فيخلصه ، فلم يأته ، فبقى هناك . وأما ولد التاجر فإنه لما أصبح تفقد الظبي والغزال فلم يجدهما ، فحزن لفقدهما واشفق عليه أبوه ، فطلب أبوه الصيادين وعرفهم الخبر والقصة ، ووعد كل من اتاه