تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 634

مساهمون:

ص٦٣٤
لمهماته ، وكان كل يوم يخرج به إلى برأفيح ، فيحل عنه سرجه ويدعه يتمرغ في ذلك البر ويمرح ، فإذا ارتفعت الشمس رده إلى موضعه . فخرج به يوما على عادته ، فلما نزل عنه نفر الحصان ومر يعدو بسرجه ولجامه ، فطلبه الفارس طول يومه ذلك ، فاعجزه وغاب عن عينه عند غروب الشمس فرجع ذلك الفارس وقد قطع امله منه . فلما اظلم الليل على الحصان وقد انقطع عنه الطلب جاع ، فرام ان يرعى فمنعه اللجام ، ورام ان يتمرغ فمنعه السرج ، ورام ان يستقر على أحد جنبيه فمنعه الركاب ، فبات بأسوء حالة ، فلما أصبح ذهب يبتغي لنفسه خلاصا مما هو فيه فاعترضه نهر ، فدخله ليقطعه إلى طرفه الآخر ، فإذا هو بعيد العمق ، فسبح فيه . وكان حزامه ولببه من جلد لم يبالغ في دبغه ، فلما خرج من النهر وحميت الشمس يبس اللبب والحزام واشتد عليه ، فورم لببه ومحزمه ، واشتد عليه الوجع والجوع فلبث على تلك الحالة أياما إلى أن ذهبت قواه ، وضعف عن المشي ، فمر خنزير كبير فرام ان يقتله ، ثم شفق عليه لما رآه على تلك الحالة ، فاقبل عليه وسأله عن حاله فأخبره بما هو فيه من ضرر اللجام واللبب والحزام ، وسأله ان يصنع معه معروفا ويخلصه مما هو فيه من الشدة ، فقال له الخنزير : الك ذنب حتى وقعت في هذه العقوبة ؟ فقال له الحصان : ليس لي ذنب استحق به ذلك ، فقال له الخنزير ما أنت إلا كاذب في قولك أو جاهل بذنبك ، فان كنت كاذبا فما ينبغي لي ان أنفس عنك كربك أو اعمل معك صنيعا ، ولا اتخذك خليلا ، فحدثني عن ابتداء امرك لاعلم حالك ، ومن اين أصبت ؟ فحدثه بجميع امره ، وكيف كان عزيزا عند صاحبه ، وكيف فارقه ، ومالقى في طريقه بعد فراق صاحبه ، فقال له الخنزير : الآن قد ظهر لي انك جاهل بذنبك وان لك ذنوبا شتى ، أولها : خذلانك لصاحبك الذي أحسن إليك ورباك ، وكفرك لاحسانه إليك ، واضرارك له في طلبك ، وتعديك على ما ليس لك وطلبك التوحش