ثم إنها فكت قيوده وتناولت سكينا لتقتل نفسها ، فقال لها عين أهله : لئن تركتك تقتلين نفسك فقد شاركتك في ذنبك . ثم انتزع السكين من يدها ، وقال لها قومي اذهبي معي لكي ننجو معا فقالت له : ان كبر سنى وضعف بدني يمنعانى عن اتباعك ، فقال لها : الليل متسع ، وموضع أمننا قريب ، وأنا أقدر ان أحملك إذا عجزت عن المشي ، فقالت له العجوز : إذا كنت قد عزمت على ذلك فانى لم أحوجك إلى حملي .
ثم اخذها وخرجا معا ، فلم تمض إلا ساعة من الليل حتى وصلا محل الامن فأخذها عين أهله معه إلى بيته وجازاها بما صنعت ، واتخذها اما يسمع لها ويطيع فهذا ما بلغني .
فقال المطران للوزير : ما أعجب احاديثك أيها الحكيم الماهر ، ولقد وددت ان لا أفارقك ابدا ، ثم نهض كل منهما إلى مضجعه .
وبات سابور يتصفح كلام وزيره ويتأمل أمثاله ، ففهم ان مراد وزيره بالغزال هو سابور ، وان الظبي مثل الوزير ، وان خروج الظبي مع الغزال إلى البر مثل صحبة سابور وزيره ، حتى حصل سابور في قيد قيصر ، وان نفار الغزال عن الظبي مثل سوء ظن سابور بوزيره لتأخره عن خلاصه ، وعلم سابور ان الوزير قد عزم على خلاصه والخروج به ليلا ، وان المدينة قريبة منهما ، وانه يحمله ان عجز عن المشي ، وأيقن سابور بقرب الفرج .
فلما كانت الليلة الثانية تلطف وزير سابور واحتال حتى دخل مطبخ المطران على خلوة من الطباخين فطرح في جميع الطعام مرقدا قويا كان قد أعده واحكمه فلما حضر طعام المطران واكل هو والموكلون بسابور لم يلبثوا إلا ساعة حتى وقعوا صرعى في مراقدهم لا يتحركون ، فبادر الوزير إلى الجلد الذي حبس فيه سابور فشقه واخرج سابور منه وحله من وثاقه واخرجه عن عسكر قيصر وقصد به المدينة . فلما انتهيا إلى سور المدينة صاح عليهما الحرس ، فتقدم إليهم الوزير
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 639
مساهمون: سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
ص٦٣٩