ونهيه ، فصار الوزير يتقرب إلى المطران بما يعجبه ، ويتحفه كل ليلة باخبار عجيبة رافعا صوته ليسمع سابور حديثه ، فيتسلى بذلك ، ويدس في أثناء حديثه ما يحب ان يعلمه سابور من الاخبار ، فيجد سابور بذلك راحة .
وكان الوزير قد أعد لخلاص سابور ، ورتب جملة من المكايد عندما قدم ان على هذا المطران :
منها : انه امتنع عن مؤاكلة المطران ، وأوهمه انه لا يريد ان يخلط بالطعام الذي زوده إياه البترك - المتقدم ذكره - طعاما آخر لما فيه من البركة ، فكان إذا حضر طعام المطران اخرج هو من ذلك الطعام وانفرد بالاكل منه .
فلم يزل قيصر سائرا بجنوده حتى بلغ ارض فارس ، فأكثر فيها القتل والسبي وتغوير المياه ، وقطع الأشجار ، وخراب القرى والأمصار والحصون والاسوار ، وهو مع ذلك يواصل السير للاستيلاء على دار مملكة سابور ، ويباعث من بها من رؤساء المملكة لكي لا يملكوا عليهم ملكا غير سابور .
فلم يكن للفرس همة إلا الفرار بين يديه ، حتى بلغ مدينة سابور ودار تخته فاحاط بها ونصب عليها المنجنيق ، فلم يكن عند عظماء دولة الفرس حيلة في دفعه بأكثر من ضبط الاسوار والقتال عليها .
وكان سابور قد علم كل ذلك بالتفصيل من حكايات وزيره مع المطران ورموزه ، فلما تحقق ان قيصر قد تغلب على مدينته وثلم الاسوار بالمنجنيق وقد اشرف على افتتاح المدينة عيل عند ذلك صبره ، وضاق ذرعه وساء ظنه بوزيره وأيس من نجاته ، فلما جاءه الموكل عليه بطعامه قال له : ان القيد الذهب هذا قد اذانى ، وقد ضعفت عن احتماله ، فان كنتم تريدون بقاء نفسي فنفسوا عن حلقي ورجلي ، واجعلوا بينه وبين حلقي ورجلي خرقا من حرير لأستريح قليلا .
فجاء الموكل واخبر المطران ، وسمعه الوزير ، فعلم أن سابور قد جزع وساء ظنه به ، وفطن لما قصده سابور .
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 632
مساهمون: سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
ص٦٣٢