البقر عظيمة ، وجعل لها بابا من أعلاها للدخول ، وبابا من أسفلها إذا أراد ان يبول وامر بسابور فجمعت يداه إلى عنقه بسلسلة من ذهب ، وادخله في جوف تلك الصورة .
ثم إن قيصر جيش الجيوش وسار مغتنما الفرصة لغزو بلاد فارس ، ووكل بتلك الصورة التي سجن فيها سابورا مائة رجل أهل قوة وباس شديد يحملونها بينهم ، وجعل على كل خمسة منهم رئيسا يضبطهم وصرف جميع امرهم إلى المطران يعنى صاحب البلدة ، وهو خليفة البترك ، فكانت تلك الصورة تحمل بين يدي المطران ، فإذا نزلوا تلك الصورة جعلوها متوسطة بين العسكر ، وضربت حولها عشرة خيام مستديرة بها ، وطاف بها خمسون من الموكلين بها ، وضرب للمطران خيمة إلى جانب خيمة سابور وضرب خارج الخيام كلها خيمة يصنع فيها الطعام للموكلين بخيمة سابور على حسب قدارهم .
ثم سار قيصر بجنوده عازما على تخريب بلاد الفرس لعلمه ان لا دافع يدفعه عنهم ، فقال وزير سابور للبترك ان مما استفدت من خدمتك والقرب منك الرغبة في صلاح الاعمال ، وانه لا عمل اصلح من تنفيس كربة عن مجهود وجر نفع إلى مضطر ، وقد علمت كفاءتى في صنعة الطب والجراحات ، وان نفسي تنازعني إلى صحبة الملك قيصر في سفره هذا فلعلي ان استنقذ نفسا صالحة يترحم علي من اجلها ، فكره البترك منه ذلك ، وقال له : قد علمت انى لا أستطيع فراقك ساعة واحدة ، فكيف بالسفر الطويل البعيد ، وما ظننت منك انك تخاطبني بما يشق علي كما لم أظن انك تؤثر شيئا على صحبتي .
فلم يزل الوزير يتضرع اليه ويقرب له العود اليه ، إلى أن سمح له بذلك وزوده ، وكتب معه كتابا إلى المطران ، واخبره انه قد بعث اليه سويداء قلبه ونور بصره فليحله أعلى المراتب ، ويستضىء برأيه الصائب .
فقدم سابور على المطران فعرف حقه وانزله معه ، وجعل بيده زمام امره
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 631
مساهمون: سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
ص٦٣١