الدروب ، وقصدا قسطنطينية حتى قدماها ، فذهب الوزير إلى البترك ، ومعناه أبو الآباء فاستأذن عليه فاذن له ، فدخل عليه فسأله البترك عما يريد فأخبره انه هاجر من ارض الجلالقة ليتشرف بخدمته ، ويدخل في اتباعه واهدى اليه هدية نفيسة حسن عند البثرك موقعها فقربه وأكرمه ، وانزله أحسن منزل واتحفه واختبره ، فوجده عاقلا لبيبا أديبا ، فاعجب به غاية الاعجاب ، فجعل الوزير يتأمل اخلاق البترك وصفاته ، ليصحبه بما يوافق حاله ، فوجده مائلا إلى الفكاهة والاخبار ، فاخذ في اتحافه بكل نادرة غريبة ، فسلبه بملحه حتى ملك قلبه ، وهو مع ذلك يعالج المجروحين بذلك المرهم من غير اجرة - كما تقدم - فعظم قدره في أعين الناس ، وهو مع ذلك يتفقد أحوال سابور في كل ساعة ، واتفق ان قيصر ملك الروم صنع وليمة ، واجمع عليها جميع مملكته فنازعه سابور نفسه في الدخول مع الناس والمخاطرة بنفسه فمنعه الوزير عن ذلك فلم يقبل نصحه ، بل تزيا بزى ظن أنه يستتر به ، ودخل قصر قيصر مع من حضر .
وقد كان قيصر لما بلغته قوة سابور وفطنته وشدة بأسه وهمته ، حذره أشد الحذر ، ونقش صورته وجعلها في فرشه وستوره ، وآلات اكله وشربه ولهوه ولعبه ، فدخل سابور دار قيصر ، واكل مع من حضر ، فلما اتوا بالشراب كان في المجلس رجل من حكماء الروم ودهاتهم ، فوقعت عينه على سابور ، فلما رآه سابور نكس رأسه ، فجعل ذلك الحكيم يتأمل شخصه واماراته ، فرأى عليه علامة الرياسة والسلطنة ، فجاء الساقي إلى ذلك الحكيم بكأس خمر من ذهب وفيه صورة سابور فتأملها وتأمله ، فطابقت صورته تلك الصورة ، فصاح وقال : ان هذه الصورة التي في هذا الكاس تخبرني ان صاحبها معنا في هذا المجلس ، ونظر إلى سابور فرآه قد تغير لونه ، فتحقق فيه ظنه ، فأعاد القول على قيصر وأراه سابور فأمر قيصر بقبضه ، وسأله عن نفسه فأنكره ، فامر بقتله ، فاعترف له بصدق قول ذلك الحكيم ، فحبسه إذ ذلك قيصر مكرها وامر فصنع له صورة بقرة من جلود
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 630
مساهمون: سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
ص٦٣٠