فما مضت إلا أيام قلائل حتى حملت امرأته ، فلما آن وقت وضعها القت شيئا كالكيس ، فشق وخرج منه أربعون ولدا بقدر الشبر ، فلما وقعوا على الأرض انتشوا قليلا قليلا في يومهم ذلك إلى أن صاروا على قياس الطفل المولود بعون الملك المعبود ، فاخذهم المراضع وارضعهتم فطلعوا أربعين رجلا كلهم فضلاء أدباء .
وهذه القصة ليس فيها شك ولا لبس ، وهي ببلاد اليمن مشهورة ، اظهر من الشمس ، واللّه على كل شئ قدير ، وبالإجابة جدير ولهذا كني أبوهم بابى الرجال والامر للّه الكريم المتعال .
حكاية يعجب بها أرباب الجمال والدراية
لما عزم سابور بن هرمز على الدخول إلى بلاد الروم متنكرا نهاه أرباب دولته وعظماؤها ونصحوه وحذروه من الغره بنفسه والمخاطرة في امر يمكنه يستنيب فيه أحد ثقاته ، فعصى نصحهم وتوجه متنكرا نحو بلاد الروم واستصحب وزيرا كان له ولأبيه من قبله ذا دهاء وحزم ، وعزم وسداد ورأي بصيرا بالأمور موسوما بالديانات ، حافظا لغالب اللغات ، متبحرا في العلوم ، ذا خبرة بالمكائد والمخاتل والمصائد ، فسلم اليه سابور أحواله بالتمام ، وتوجها نحو الشام ، فتزيا ذلك الوزير بزي الرهبان ، وتكلم بكلام الجلالقة ، وتحرف بصناعة الطب والجراح وصحب معه دهن الصيني الذي إذا دهن به الجراحات ابرأها حالا .
وكان الوزير في مسيره إلى بلاد الروم يداوي الجراحات بأدوية ، وكان يضيف إليها شيئا من ذلك الدهن فتبرأ الجراحات بسرعة ، وإذا عنى بواحد من ذوي الاقدار داواه بذلك الدهن صرفا فيبرأ حالا ، ولا يأخذ على المداواة اجرة .
فانتشر له في بلاد الروم صيت وشهرة بالحكمة والجراحات والعلم والزهد والكرم ، وكان سابور ووزيره المذكور قد سارا متفردين إلا أن الوزير كان يرعى أحوال سابور أشد المراعاة ، فلم يزالا حتى خلفا الشام وراءهما وتجاوزا