وأما إبراهيم بن العباس واخوه عبد اللّه فكانا من وجوه الكتاب ، وكان عبد اللّه اسنهما وأشدهما ، وإبراهيم آدبهما وأحسنهما شعرا .
وكان يقول الشعر ويختاره ، ويسقط أوله ثم يسقط الوسط ، ويسقط ما سبق اليه ، فلا يدع من القصيدة إلا اليسير ، وربما لم يدع إلا بيتا أو بيتين .
وكان إبراهيم واخوه من صنائع ذي الرياستين .
وتنقل إبراهيم في الاعمال الجليلة إلى أن مات بسر من رأى .
وكان دعبل يقول : لو تكسب إبراهيم بالشعر لتركنا في غير شئ .
واخبر أبو بكر الصولي قال : انصرف إبراهيم بن العباس من دار المتوكل يوما ، فقال لنا : انا واللّه مسرور بشئ ، فقلت : وما ذاك اعزك اللّه ؟ قال : كان أحمد بن المدبر رفع إلى أمير المؤمنين ان بعض عمالي اقتطع مالا ، وكان صادقا فيما قال ، وما كنت رأيت الهلال على وجه أمير المؤمنين إلا تلك الساعة ، فدعوت له وضحك إلى ، فقال لي : ان أحمد بن المدبر قد رفع على ما عاملك انه اقتطع من المال كذا . . وكذا . . فعلمت انه صادق ، وضاقت علي الحجة ، وخفت ان أحقق قوله ذلك ان اعترفت ، ثم لا ارجع منه إلى شيء فيعود علي العزم ، فعدلت عن إقامة الحجة إلى تدبير الحيلة ، فقلت :
رد قولي وصدق الاقوالا * وأطاع الوشاة والعذالا
اتراه يكون شهر صدود * وعلى وجهه رأيت الهلالا
فتهلل وقال : لا يكون واللّه كذا ، فبحياتى يا إبراهيم زدهما بيتين حتى يغنى فيهما ، فقلت : نعم يا سيدي على أن لا يطالب صاحبي بقول احمد ، فقال للوزير : يقبل في المال قول صاحبه ، فسررت للظفر واغتممت لبطلان هذا المال وذهابه بهذه الحيلة ، ولعله قد جمع في زمن طويل ، وبعد تعب شديد .
قلت : وهذا من سحر الشعر ، ومن الحيلة بالشعر ما حكي ان محمد بن السائب الشاعر الأنطاكي قال : كنت مع جماعة من الشعراء قصدوا إسحاق بن أيوب الثعلبي