ثم ندم الراضي على ذلك وامر الأطباء بملازمته للمداوات ، فلازموه حتى يرى وكان ذلك بنتيجة دعاء أبي الحسن محمد بن شنبوذ بقطع يده - وقد تقدم لك ذكره - فكان من عجيب الاتفاق .
وقال الحسن بن ثابت بن قرة الطبيب كنت ادخل لمعالجته وهو في تلك الحالة فكان يسألني عن ابنه أبى الحسن فاعرفه ايساره وسلامته ، فتطيب نفسه ثم ينوح على يده ، ويبكي ويقول : خدمت بها الخلفاء ، وكتبت بها القرآن العظيم دفعتين تقطع كما تقطع أيدي اللصوص ، فاسليه ، وأقول هذا انتهاء المكروه فينشد :
إذا ما مات بعضك فابك بعضا * فان البعض من بعض قريب
ثم عاد وارسل إلى الراضي من الحبس واطمعه في المال ، وطلب الوزارة وقال إن قطع اليد ليس مما يمنع الوزارة ، وكان يشد القلم على ساعده ويكتب به .
ولما قدم محمد التركي من بغداد ، وكان من المنتمين إلى ابن رائق امر بقطع لسانه أيضا فقطع وأقام في الحبس مدة طويلة ولم يكن له من يخدمه فكان يستقي الماء لنفسه من البئر بيده اليسرى جذية وبفمه جذبة أخرى .
وله اشعار في شرح حاله وما انتهى اليه امره ورثاء يده والشكوى من المناصحة وعدم تلقيه بالقبول ، فمن ذلك قوله :
ما سئمت الحياة لكن * توثقت بأيمانهم فبانت يميني
بعت ديني لهم بدنياي حتى * حرمونى دنياهم بعد ديني
فلقد حطت بعد ما استطعت جهدي * حفظ أرواحهم فما حفظونى
ليس بعد اليمين لذة عيش * يا حياتي بانت يميني فبيني
ولم يزل على هذه الحال إلى أن توفى بموضعه يوم الأحد عاشر شوال سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة ودفن مكانه ، ثم نبش بعد مضي زمان وسلم إلى أهله .
وكانت ولادته يوم الخميس بعد العصر لتسع بقين من شوال سنة اثنتين وتسعين ومائتين ببغداد رحمه اللّه تعالى .