ولما اشتد البحث عنه خرج مختفيا إلى أن ورد دمشق بزى تاجر ، وكان استتاره عند بعض اخوانه ممن اخدمه ، فانى كنت عنده يوما إذ ظهر لي وقال لصديقه انى أريد الانتقال إلى هذا الراهب ان كان علي مأمونا . فذكر له صديقه مذهبي ، وأظهرت السرور بما رغب فيه من الانس بي ، وانا لا اعرفه ، غير أن صديقي قد امرني بخدمته وحصل في قلابتي يواصل الصوم .
فلما كان بعد أيام جاءنا الرسول من عند صديقنا ، ومعه الغلام والخادم قد لحقا به ومعهما سفاتج وعليهما ثياب رثة .
قلت : السفتجة كقرطفة ان يعطي مالا لأحد ، وللآخذ مال من بلد المعطى فيوفيه إياها ، ثم فيستفيد امر الطريق ، والآن في عرف تجار الهند يسمى هندوى وفي عرف تجار العرب حوالة .
فلما نظر إلى الغلام قال : يا راهب قد حل الفطر ، وجاء العيد ووثب إلى الغلام فاعتنقه ، وجعل يقبل عينيه ويبكي ، ووقف على السفاتج فانفذها مع درج رقعة منها إلى صديقه .
فلما كان بعد يومين حمل إلى الفي دينار ، فدفع اليه منها ثلاثمائة دينار وقال ابتع لنا ما نستخدمه في هذه الضيفة ، فابتاع آلة وفرشا ، ولم يزل مكبا على ما رأيت إلى أن ورد عليه بالبغال والآلات الحسنة باجتماعهم إلى صاحب مصر ، وتعريفهم إياه الحال من بعده عن وطنه لضيق ذات يده عما يطالب به والتوقيع بحطيطة المال عنه مقترن بالكتب .
فلما عمل على المسير قال لغلامه : سلم جميع ما بقي من نفقتنا إلى الراهب يصرفه في مصالح الدير إلى أن نواصل تفقده من مستقرنا وسار وما له حسرة غيرك ولا آسف إلا عليك ، وكان يقطع الأوقات بذكرك ولا يشرب إلا على ما يغنيه الغلام من شعرك ، وهو الآن بمصر على أحسن الأحوال واجلها ما يبخل بتفقدى ولا يغب برى ، فتعجلت بعض السلوة بما عرفته من حقيقة خبره ،
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 518
مساهمون: سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
ص٥١٨