تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 515

مساهمون:

ص٥١٥
قال : فنظر الغلام إلي وتبسم ، فعلمت ان الشعر له ، وكدت واللّه اطير طربا وفرحا بملاحة خلقه ، وجودة ضربه ، وعذوبة ألفاظه وتكامل حسنه . فاستدعيت كثيرا من الشراب ، فاحضر الخادم عدة قطع من فاخر البلور وجيد الشراب المحكم ، فشربت سرورا بوجهه ، وشرب بمثل ما شربت . ثم قال لي انا واللّه يا سيدي أحب ترفهك ولا اقطعك عما أنت فيه متوفر عليه ، ولكن إذا عرفت الاسم والنسب ، والصناعة واللقب ، فلا بد ان تسم ليلتنا بشئ يكون لها طرازا أو لذكرها معلما ، فجذبت الدواة وقد اخذ الشراب منى ، فكتبت ارتجالا :
وليلة اوسعتني * حسنا ولهوا وانسا ما زلت الثم بدرا * بها واشرب شمسا إذ أطلع الدير سعدا * لم يبق مذغاب نحسا فصار للروح منى * روحا وللنفس نفسا
فطرب على قولي ( الثم بدرا واشرب شمسا ) وجذب غلامه فقبله ، وقال : ما جهلت ما يجب لك يا سيدي من التوقير ، وانما اعتمدت تصديقك فيما ذكرته ، فبحياتك إلا ما فعلت مثل ذلك بغلامك ، فاتبعت ايثاره خوفا من احتشامه ، واخذ الأبيات وجعل يرددها ، واخذ الدواة وكتب إجازة لها :
ولم أكن لغريمي * واللّه ابذل فلسا لو ارتضى لي غريمي * بدير مران حبسا
فقلت له : إذا واللّه ما كان يؤدي أحد حقا ولا باطلا ، وداعبته في هذا المعنى بما حضر ، وعرفت في الجملة انه مستتر من دين قد ركبه . وقال لي : قد خرج لك أكثر الحديث ، فان عذرت وإلا ذكرت الحال لتعرفها على صورتها ، فتبينت ما يؤثره من كتمان امره ، فقلت له : يا سيدي كل من لا يتعرف بك ذكره ، وقد اغنت المشاهدة عن الاعتذار ونابت الخبرة عن الاستخبار ، وجعل يشرب وينتخب على من غير اكراه ولا حث ولا استبطاء إلى أن رأيت الشراب قد دب فيه فأكب