ونزه عن غير الصفاء اجتماعنا * فكنت وإياه كقلبين في صدر
وشاء السرور ان بلينا بثالث * فلا طفنا بالبدر أو بأخي البدر
بمعطي العيون ما اشتهت من جماله * ومضنى القلوب بالتجنب والهجر
جنينا جنى الورد من غير وقته * وزهر الربى من روض خديه والثغر
وقابلنا من وجهه وشرابه * بشمسين في جنحي دجى الليل والشعر
وغنى فصار السمع كالطرف آخذا * بأوفر حظ من محاسنه الزهر
وامتعنا من وجنتيه بمثل ما * تمزج كفاه من الماء والخمر
سرور شكرنا منة الصحو إذ دعا * اليه ولم نشكر به منة السكر
كأن الليالي نمن عنه فعند ما * تنبهن نكبن الوفاء إلى الغدر
مضى فكأني كنت فيه مهوما * يحدث عن طيف الخيال الذي يسري
ونزهت عن غير الدنانير قدرها * فما زلت منها اشرب التبر بالتبر
وهل يحصل الانسان من كل ما به * تسامحه الأيام إلا على الذكر
ولم أزل على أتم قلق وأعظم حسرة ، وأشد أسف على ما سلبته من عظيم النعمة بفراق الفتى ، لا سيما ولم احصل منه على حقيقة علم ولا يقين ، خبر يؤدياني إلى الطمع بلقائه إلى أن عاد سيف الدولة إلى دمشق ، وأنا في جملته ، فما بدأت بشيء قبل السير إلى الراهب ، وقد كنت حفظت اسمه ، فخرج إلي مذعورا مرعوبا وهو لا يعرف السبب ، فلما رآني استطار فرحا ، واقسم لا يخاطبني إلا بعد النزول والمقام عنده يومي ذلك ، ففعلت فلما جلسنا للمحادثة قال مالي : لا أراك تسألني عن صديقك ، قلت : واللّه ما لي فكر ينصرف عنه ولا اسف يتجاوز ما حرمته منه ولا سررت في عودي إلى هذا البلد إلا من اجله ، ولذلك بدأت بقصدك ، فاذكر لي خبره ، فقال : اما الآن ، فنعم هذا فتى من المادرانيين ، جليل القدر عظيم النعمة ، كان قد ضمن في سلطانه بمصر ضياعا كثيرة فخان به ضمان العقور السعر واشرف علي الخروج من نعمته فاستتر .