ثم قال : انما استخدمت هذا الغلام في تلقيك يا سيدي لا جعل ما لعلك استحسنته من وجهه مصانعا على ما يرد عليك من مشاهدتي فاستحسنت واستظرفت اختصاره الظريف إلى بسطي وارتجاله النادرة على نفسه حرصا على تأنيسى ، وأفاض في شكري على المسارعة إلى امره ، وأنا أواصل في خلال سكناته البالغة في الاعتذار به .
ثم قال لي : أنت يا سيدي مكدود بمن كان معك والاستمتاع بمحادثتك لا يتم إلا بالتوصل إلى راحتك .
وقد كان الامر على ما ذكر فاستلقيت يسيرا ، ثم نهضت فخدمت في حالتي النوم واليقظة الخدمة التي ألفتها في دور أكابر الملوك وأجلة الرؤسا واحضرنا خادم له لم أر أحسن منه وجها طبقا يضم مما يتخذ للعشاء ما خف ولطف ، فقال : ألا كل مني يا سيدي للحاجة ومنك للممالحة والمساعدة فأكلنا شيئا ، واقبل الليل فطلع القمر ففتح مناظر ذلك البيت إلى فضاء أدى الينا محاسن الغوطة وحبانا بذخائر رياضها من المنظر الجنانى والنسيم العطري .
وجاءنا الراهب من الأشربة بما وقع اتفاقنا على المختار منه ، ثم اقتعدنا غارب اللذة وجرينا في ميدان المفاوضة ، ولم يزل يناهبنى من نوادر الاخبار وملح الاشعار ، ونخلط ذلك المزح باظرفه ، ومن التودد بالطفه ، إلى أن توسطنا الشراب ، فالتفت إلى غلامه فقال : يا مترف ان مولاك ما ادخر علينا السرور بحضوره وما يجب ان ندخره ممكنا في مسرته ، فتبقع وجه الغلام حياء وخفرا فاقسم عليه بحياتى ، وأنا لا اعلم ما يريد فمضى وعاد يحمل طنبورا وجلس ، فقال يا سيدي تأذن لي في خدمتك ، فهممت بتقبيل يده لما تداخلني من عظيم المسرة بذلك ، فاصلح الغلام ما بيده وضرب فقال :
يا مالكي وهو ملكي * وسالبي ثوب نسكي
نزه يقين الهوى * فيك عن تعرض شك
لولاك ما كنت اشكي * إلى الصباح وأبكي