تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 512

مساهمون:

ص٥١٢
ولم تزل الاقداح دائرة ، بين مطرب الغنا وزاهر المذاكرة ، إلى أن فض اللهو ختامه ولوح السكر لصحبي اعلامه ، وحانت مني نظرة إلى بعض الرهبان ، فوجدته إلى خطابي متوثبا ، ولنظري إليه مترقبا ، فلما اخذته عيني أكب يزعجنى بخفي الغمز ووحى الايماء ، فاستوحشت من ذلك وأنكرته ، ونهضت عجلا واستحضرته فأخرج إلي رقعة مختومة وقال لي : قد لزمك فرض الأمانة فيما تتضمنته هذه الرقعة دونى وسقط ذمام كاتبها في سترها بك عني ، ففضضتها فإذا فيها بأحسن خط واملحه ، وأقواه وأوضحه : ( بسم اللّه الرحمن الرحيم لم أزل فيما تؤديه هذه المخاطبة يا مولاي بين حزم يحث على الانقباض عنك ، وحسن ظن بحض على التسامح بنفس الحظ منك ، إلى أن استنزلتني الرغبة فيك ، على حكم الثقة بك ، من غير خبرة ، فرفعت بيني وبينك سجف الحشمة ، وأطعت بالانبساط أوامر الانسة ، في التوصل إلى مودتك ، فأبت الفرصة والمستماح منك جعلني اللّه فداك زورة ارتجع بها ما اغتصبتنيه الأيام من المسرة مهناة بالانفراد إلا من غلامك الذي هو مادة مسرتك :
وما ذاك عن خلق يضيق بطارق * ولكن لأخذ الاحتياط على حالي
فان صادف ما خطبته منك أيدك اللّه قبولا ولديك نفاقا فمنية غفل الزمان والدهر عنها ، وفارق مذهبه فيما أهداه إلى منها ، وان جرى على رسمه في مخالفة ما اوثره واهواه ، واترقبه من قربك واتمناه ، فذمام المروة يلزمك رد هذه الرقعة وسترها ، وتناسيها واطراح ذكرها ، ان شاء اللّه تعالى ) . وإذا بأبيات تتلو الخطاب وهي :
هل لك في صاحب يناسب في الغربة * أخلاقه وبالأدب اوحشه الدهر فاستراح إلى * قربك مستنصرا على النوب فان تقبلت ما اتاك به * لم تسىء الظن فيك بالكذب وان اتى الدهر دون رغبتنا * فكن كمن لم يقل ولم يجب
قال أبو الفرج : فورد علي ما حيرنى ، واسترد منى ما كان الشراب حازه