تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 513

مساهمون:

ص٥١٣
من تمييزي وحصل لي في الجملة ان أغلب الأوصاف على صاحبها الكتابة خطا وترسلا ونظما ، فشاهدته بالفراسة من ألفاظه ، وحمدت أخلاقه قبل الاختبار من رقعته ، وقلت للراهب : من هذا ويحك ، وكيف السبيل اليه ؟ فقال : أما ذكر حاله فاليه إذا اجتمعنا ، وأما السبيل إلى القائه فمسهل ان شئت ، قلت : دلني ، فقال تظهر فتورا ، وتنصب عذرا ، تفارق به أصحابك منصرفا ، فإذا وصلت إلى باب الدير عدلت بك إلى باب خفى تدخل منه . فرددت الرقعة عليه ، وقلت : ادفعها اليه ليتأكد انسه بي ، وسكونه إلي وعرفه ان التوفر على اعمال الحيلة في المبادرة إلى حضرته ، على ما آثره من ضرر الانفراد أولى من التشاغل برد جواب ، وقطع وقت بمكاتبته . ومضى الراهب وعدت إلى أصحابي بغير النشاط الذي نهضت به ، فأنكروا ذلك ، فاعتذرت إليهم بشئ عرض لي فاستدعيت ما اركبه ، وتقدمت إلى من كان معي ممن يخدم بالتوفر على خدمتهم وقد كنا عملنا على المبيت فاجمعوا على تعجل الكر والانصراف ، وخرجت من باب الدير ومعي صبي كنت آنس اليه وبخدمته وتقدمت إلى الشاكري برد الدابة وستر خبري ومباكرتى . وتلقاني الراهب وعدل بي إلى الطريق في مضيق ، وادخلني إلى الدير من باب غامض وصار بي إلى باب قلاية يفوق عما يجاوره من الأبواب نظافة وحسنا فقرعه بحركات مختلفة كالعلامة فابتدرنا غلام كأن البدر ، ركب على ازراره مهفهف الكشح مخطفه معتدل القوام اهيفه ، تخال الشمس برقعت غرته والليل ناسب اصداغه وطرته في غلالة تنم على ما تستره وتخفو مع رقتها عما تظهره وعلى رأسه مجلية مصمت فبهر عقلي ، واستوقف نظري ، ثم اجفل كالظبي المذعور ، وتلوته والراهب إلى صحن القلاية ، فإذا أنا ببيت فضي الحيطان ، رخامي الأركان ، يضم طارمة خشب مفروشة بحصير مستعمل ، فوثب الينا منه فتى مقتبل الشبيبة ، حسن الصورة ظاهر النبل والهيبة ، متزيى من اللباس بزي غلامه فلقيني حافيا يعثر في سراويله واعتنقنى