وثلاثمائة ، ورأيته بها شيخا عالي السن متطاول الأمد ، نظيف اللبسه بهى الركبة مليح اللثغة ، ظريف الجملة ، قد اخذت الأيام من جسمه وقوته ، ولم تأخذ من ظرفه وأدبه ، ومدح الأمير ابا نصر بقصيدة فريدة اجزل عليها صلته ، ثم السلامي وغيره من شعراء العراق ، ثم عرض على القاضي أبى بشر الفضل بن محمد بجرجان سنة احدى وتسعين كتاب أبى الفرج الوارد عليه من بغداد ، وكان مشتملا من النظم والنثر على ما اثرت فيه حال من بلغ ساحل الحياة ، ووقف على ثنية الوداع ولست أدري ما فعل الدهر به بعد ذلك ، وأغلب ظني فيه انه الآن ، قد لحق باللطيف الخبير ، وانا ابدأ بسياقة قصة له من عبارته ، وحكاية لم اسمع اظرف منها ولا الطف ، ولا أعذب منها ولا أخف ، وان كان فيها بعض الطول ، فالبديع غير مطول .
قال أبو الفرج : تأخرت بدمشق عن سيف الدولة مكرها وقد سار عنها في بعض وقائعه ، وكان الخطر شديدا على من أراد اللحاق به من أصحابه ، حتى أن ذلك كان مؤديا إلى النهب وطول الاعتقال ، فاضطررت إلى اعمال الحيلة في التخلص والسلامة بخدمة من بها من رؤساء الدولة الاخشيدية ، وكان سنى في ذلك الوقت عشرين سنة ، فكان انقطاعي منهم إلى أبى بكر علي بن صالح الروذبادي لتقدمه في الرياسة ، ومكانه من الفضل والصناعة ، فأحسن تقبلي ، وبالغ في الاحسان إلي وحصلت تحت الضرورة في المقام ، فتوفرت على قصد البقاع الحسنة ، والمنتزهات المطرفة ، تسليا وتعللا .
فلما كان في بعض الأيام عملت على قصد دير مران وهذا الدير مشهور والموقع منها في الجلالة وحسن المنظر فاستصحبت بعض من كنت آنس به وتقدمت بحمل ما يصلح لنا وتوجهنا نحوه ، فلما نزلنا أخذنا في شأننا ، وقد اخترت من رهبانه لعشرتنا من توسمت فيه رقة الطبع وسجاحة الخلق حسبما جرى به الرسم في غشيان الاعمار ، وطروق الديرة من النظر ، وبعشرة أهلها ، والانسة بسكانها
نزهة الجليس ومنية الأديب الأنيس — صفحة 511
مساهمون: سيد عباس بن علي بن نور الدين الحسيني الموسوي المكي
ص٥١١