فلما أصبحوا قالوا : انه واللّه صاحبنا وصاحبه فحلقوا رأسه وتركوا له ذؤابتين وألبسوه حلة وغدوا به معهم إلى مجلس النعمان فوجدوه يتغدى مع الربيع وهما يأكلان رطبا في طبق ، وليس معه غيره يواكله ، والمجلس محفوف بالوفود .
فلما فرغ من الغداء اذن لعامر وجماعته فدخلوا عليه وذكروا له حوائجهم فاعترضهم الربيع في كلامهم ونقص بهم عند النعمان ، فقال لبيد رجزا :
يا رب هيجا هي خير من دعه * أكل يوم هامتي مقرعه
نحن بنو أم البنين الأربعة * ومن خيار عامر بن صعصعه
المطعمون الجفنة المدعدعه * والضاربون الهام تحت الخيضعة
يا واهب الخير الكثير من سعة * اليسك جاوزنا بلادا مسبعه
يخبر عن هذا خبير فاسمعه * مهلا أبيت اللعن لا تأكل معه
ان استه من برص ملمعه * وانه يدخل فيها إصبعه
يدخلها حتى يوارى اشجعه * كأنه يطلب شيئا أودعه
فلما فرغ لبيد من انشاده التفت النعمان إلى الربيع بن زياد وقال له : أهكذا أنت ؟ قال : لا واللّه أيها الملك ، لقد كذب علي هذا الأحمق اللئيم ، فقال : الملك النعمان : واللّه لقد خبث علي طعامي وشرابى ، ثم قام النعمان وقام الربيع وانصرف إلى منزله ، وامره النعمان بالانصراف إلى بلده ، فكتب الربيع واللّه لست بذاهب حتى تبعث إلى من نأتمنه فيجردنى عن اثوابى ويراني لكي يعلم كل من حضرك من الناس انى لست كما قال لبيد ، فكتب اليه النعمان انك لست قادرا على رد ما تكلمت به الألسن فالحق باهلك ، فقال الربيع :
لئن رحلت ركابي ان لي سعة * ما مثلها سعة عرضا ولا طولا
ولو جمعت بني لخم بأجمعها * لم يعدلوا ريشة من ريش شمويلا
ترعى الرواثم أحرار البقول بها * لا مثل رعيكم ملحا وعسويلا
فابرح بأرضك يا نعمان متكئا * مع النطاسي يوما وابن نوفيلا