والآن أخذ القوس باريها . وعادت النّبل إلى النّزعة ، ورجع الحقّ إلى مستقرّه ، في أهل بيت نبيكم أهل الرّحمة والرأفة .
وخطب فقال : أحرز لسان رأسه ، اتّعظ امرؤ بغيره ، اعتبر عاقل قبل أن يعتبر به ، فأمسك الفضل من قوله ، وقدّم الفضل من عمله .
ثم أخذ بقائم سيفه وقال : إن بكم داء هذا دواؤه ، وأنا زعيم لكم بشفائه . وما بعد الوعيد إلا الوقع ، وما بعد التهديد غير إنجاز الوعيد .
وَقَدْ خابَ مَنِ افْتَرى
[ طه : الآية 61 ] .
إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ ( 105 )
[ النّحل : الآية 105 ] .
ولما قام أبو العباس السفاح في أول خلافته على المنبر ، قام بوجه كورقة المصحف ، فاستحيا فلم يتكلّم ، فنهض داود حتى صعد المنبر . - قال المنصور : فقلت في نفسي : شيخنا وكبيرنا يدعو إلى نفسه ؛ فانتضيت سيفي وغطّيته بثوبي ؛ فقلت : إن فعل ناجزته - فلما رقي عتبا استقبل الناس بوجهه دون أبي العباس ، ثم قال :
يا أيها الناس ، إن أمير المؤمنين يكره أن يتقدّم قوله فعله ، ولأثر الفعال عليكم أجدى من تشقيق الكلام ، وحسبكم كتاب اللّه متسلى فيكم وابن عم رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خليفة عليكم . واللّه - قسما برّا لا أريد بها إلا اللّه - ما قام هذا المقام بعد رسول اللّه صلى اللّه عليه وعلى آله أحقّ به من عليّ بن أبي طالب وأمير المؤمنين هذا ؛ فليظنّ ظانّكم ، وليهمس هامسكم .
قال أبو جعفر : ثم نزل فشمت سيفي .
وبلغه وهو بمكة أنّ قوما أظهروا الشكاة لأبي العباس ، فافترع المنبر ، فحمد اللّه وأثنى عليه ثم قال :
أغدرا غدرا : يا أهل الجبن والتبديل ألم يزعكم الفتح المبين عن الخوض في ذمّ أمير المؤمنين . كلا واللّه ، حتى تحملوا أوزاركم ، ومن أوزار الذين كانوا قبلكم . كيف فاهت شفاهكم بالشكوى لأمير المؤمنين ؟ بعد أن حانت آجالكم فأرجأها ، وانثعبت دماؤكم فحقنها ؟ الآن يا منابت الدّمن مشيتم الضّراء ، ودببتم