وغلب على الكوفة ، ثم خرج منها إلى فارس ، ولبس الصّوف وأظهر سيما الخير . وكان يطعن في دينه ، وينسب إلى الزندقة واللّواط ؛ فغلب على الجبل والريّ والأصفهان وفارس والماهين . وقصده بنو هاشم - وفيهم المنصور والسفاح ، وعيسى بن علي ، ومن بني أمية سلمان بن هشام بن عبد الملك وغيره ؛ فمن أراد عملا ولّاه ، ومن أراد صلة وصله ؛ فوجّه إليه مروان بن محمد عامر بن ضبارة ؛ فهرب عبد اللّه من فارس ولحق بخراسان ، وقد ظهر أبو مسلم بها ، فأخذه أبو مسلم وحبسه ثم قتله .
وكان جعل عليه عينا يرفع إليه أخباره ؛ فرفع إليه أنه يقول :
ليس على الأرض أحمق منكم يا أهل خراسان ، في طاعتكم هذا الرجل وتسليمكم إليه مقاليد أموركم من غير أن تراجعوه في شيء ، أو تسألوه عنه .
واللّه ما رضيت الملائكة بهذا من اللّه عزّ وجلّ حتى راجعته في أمر آدم ؛ فقالت :
أَ تَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ
[ البقرة : الآية 30 ] . حتى قال لهم :
إِنِّي أَعْلَمُ ما لا تَعْلَمُونَ
[ البقرة : الآية 30 ] .
وكتب إلى أبي مسلم من الحبس :
من الأسير في يديه بلا ذنب إليه ولا خلاف عليه . أما بعد فآتاك اللّه حفظ الوصية ، ومنحك نصيحة الرعيّة ، وألهمك عدل القضيّة ، فإنّك مستودع ودائع ومولى صنائع ، فاحفظ ودائعك بحسن صنائعك ، فالودائع مرعيّة ، والصنائع عارية ، وما النعم عليك وعلينا فيك بمستور نداها ، ولا مبلوغ مداها ، فاذكر القصاص ، واطلب الخلاص ، وأنبه للتّفكّر قلبك ، واتّق اللّه ربّك ، واعط من نفسك من هو تحتك ما تحبّ أن يعطيك من هو فوقك من العدل والرأفة والأمن من المخافة . فقد أنعم اللّه عليك إذ فوّض أمرنا إليك ؛ فاعرف لنا شكر المودّة وأعتقنا من الشدة والرّضا بما رضيت ، والقناعة بما هويت ؛ فإن علينا من ثقل الحديد أذى شديدا ، مع معالجة الأغلال ، وقلة رحمة العمّال ، الذين تسهيلهم الغلظة ، وتيسيرهم الفظاظة ، وإيرادهم علينا الغموم ، وتوجيههم إلينا الهموم ؛ زيارتهم الحراسة ، وبشارتهم الإياسة ؛ فإليك نرفع كربة الشكوى ، ونشكو شدة البلوى . ومتى تمل إلينا طرفا وتزوّدنا منك