تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الدر في المحاضرات — صفحة 295

مساهمون:

ص٢٩٥
وافتقد عبد اللّه صديقا له من مجلسه ، ثم جاءه فقال له : أين كانت غيبتك ؟ فقال : خرجت إلى عرض من أعراض المدينة مع صديق لي ؛ فقال له : إن لم تجد من صحبة الرجال بدّا فعليك بصحبة من إن صحبته زانك ، وإن خففت له صانك ، وإن احتجت إليه مانك ، وإن رأى منك خلّة سدّها ، أو حسنة عدّها ، وإن أكثرت عليه لم يرفضك ؛ إن سألته أعطاك ، وإن أمسكت عنه ابتداك . وامتدحه نصيب ، فأمر له بخيل وإبل وأثاث ودنانير ودراهم . فقال له رجل : أمثل هذا الأسود يعطى مثل هذا المال ؟ فقال عبد اللّه : إن كان المادح أسود فإن شعره أبيض ؛ وإن ثناءه لعربيّ ؛ ولقد استحقّ بما قال أكثر مما نال ، وهل أعطيناه إلا ثيابا تبلى ، ومالا يفنى ، ومطايا تنضى ، وأعطانا مدحا يروى وثناء يبقى . وقيل له : إنك تبذل الكثير إذا سئلت ، وتضيّق في القليل إذا توجرت ؛ فقال : إني أبذل مالي وأضنّ بعقلي . قال بديح : كان في أذن عبد اللّه بن جعفر بعض الوقر إذا سمع ما يكره . وروي أن النبيّ عليه السلام مرّ بعبد اللّه بن جعفر وهو صبيّ يصنع شيئا من طين من لعب الصبيان ، فقال : ما تصنع بهذا ؟ قال : أبيعه . قال : ما تصنع بثمنه ؟ قال : أشتري به رطبا آكله ؛ فقال عليه السلام : اللهمّ بارك له في صفقة يمينه . فكان يقال : ما اشترى شيئا قط إلا ربح فيه . وأخبار عبد اللّه بن جعفر في السخاء معروفة . وذكر أن شاعرا أتاه فأنشده : [ المتقارب ]
رأيت أبا جعفر في المنام * كساني من الخزّ درّاعه
فقال لغلامه : ادفع إليه دراعتي الخزّ ، ثم قال له : كيف لم تر جبّتي المنسوجة بالذهب التي اشتريتها بثلاثمائة دينار ؟ فقال له الشاعر : بأبي أنت دعني أغفى فلعلّي أراها . فضحك ؛ ثم قال : ادفع إليه جبّتي ، فدفعت إليه .