قال سعيد بن جبير : كنا مع ابن عباس بعرفات فقال : يا سعيد ، ما لي لا أسمع الناس يلبّون ؟ قلت : يخافون من معاوية ؛ فخرج ابن عباس من فسطاطه وقال : لبّيك اللهم لبّيك . اللهم العنهم فإنهم قد تركوا السّنة لبغضهم عليّا .
وقال له بعضهم : إن في حجري يتيما ، وإن له إبلا في إبلي ، فأنا أمنح من إبلي وأفقر . فما يحلّ لي من إبله ؟ فقال : إن كنت تردّ نادّتها ، وتهنأ جرباها ، وتلوط حوضها ؛ فاشرب غير مضرّ بنسل ولا ناهك حلبا .
وقال : ما رأيت أحدا كان أخلق للملك من معاوية ؛ كان الناس يردون عنه أرجاء واد رحب ليس مثل الحصر العقص يعني ابن الزبير .
ولما استقام رأي الناس على أبي موسى بصفّين أتاه عبد اللّه بن عباس ، فقال له - وعنده وجوه الناس وأشرافهم - : « يا أبا موسى ؛ إن الناس لم يرضوا بك ، ولم يجتمعوا عليك لفضل لا تشارك فيه ، وما أكثر أشباهك من المهاجرين والأنصار والمقدّمين قبلك ! ولكنّ أهل الشام أبوا غيرك ، وأيم اللّه إني لأظنّ ذلك شرّا لنا ولهم ، وإنه قد ضمّ إليك داهية العرب ، وليس في معاوية خصلة يستحقّ بها الخلافة ؛ فإن تقذف بحقّك على باطله تدرك حاجتك فيه ، وإن تطمع باطله في حقّك يدرك حاجته فيك . اعلم أن معاوية طليق الإسلام ، وأنّ أباه من الأحزاب ، وأنّه ادّعى الخلافة من غير مشورة ؛ فإن صدّقك فقد صرّح بخلعه ، وإن كذّبك فقد حرم عليك كلامه وإن زعم أنّ عمر وعثمان استعملاه فصدق ؛ استعمله عمر وهو الوالي عليه ، بمنزلة الطبيب من المريض ، يحميه مما يشتهي ، ويزجره عما يكره ، ثم استعمله عثمان برأي عمر . وما أكثر ما استعملا ثم لم يدّعوا الخلافة وهو منهم واحد ! . واعلم أن لعمرو مع كلّ شيء يسرّك خبيئا يسوؤك ، ومهما نسيت فلا تنس أن عليّا بايعه القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان ، وأنّها بيعة هدى ، وأنه لم يقاتل إلا عاصيا وناكثا . فقال له أبو موسى : رحمك اللّه ، واللّه ما لي إمام غير عليّ ، وإني لواقف عندما أرى ، ولرضا اللّه أحبّ إلي من رضا أهل الشام ، وما أنا وأنت إلا باللّه .
نثر الدر في المحاضرات — صفحة 292
مساهمون: خالد عبد الغني محفوظ
ص٢٩٢