يبعد ، فلم يقبل منه ؛ فلما أحس بالقتل ندم على ترك القبول منه ، وقال لمن حوله من شيعته : الأمر من بعدي لأخي إبراهيم ؛ فإن أصيب فلعيسى بن زيد .
فلما قتل محمد استتر عيسى مدة أيام المنصور وفي أيام المهدي ، فطلب طلبا شديدا إلى أن مات في الاستتار في آخر أيام المهدي .
وحدّث شبيب بن شيبة ، قال : كنت أجالس المهديّ في كل خميس ، خامس خمسة ، فخرج إلينا عشية وهو غضبان لخبر بلغه عن عيسى بن زيد ، فقال : لعن اللّه كتّابي وعمالي وأصحاب بردي وأخباري ، هذا ابن زيد قد غمض عليّ أمره فما ينجم لي منه خبر ، فقلت : لا تشكونّ منه يا أمير المؤمنين ، وما يكربك من خبر ابن زيد ؟ فو اللّه ما هو بحقيق أن يتّبع وأن يجتمع عليه اثنان .
قال : فنظر إليّ نظرة منكر لقولي ، ثم قال : كذبت ، واللّه هو واللّه الحقيق بأن يتّبع ، وأن يجتمع عليه المسلمون . وما يبعده عن ذلك ؟ لقد حطبت في حبلي ، وطلبت هواي بفساد أمري . يا فضل - للفضل بن الربيع - احجبه عن هذا المجلس . قال : فحجبت عنه مدة .
ولعيسى بن زيد شعر حسن ، ومات وله ستّون سنة ، كان ثلث عمره عشرين سنة في الاستتار .
وكان ابنه أحمد بن عيسى من أفاضل أهل البيت علما وفقها وزهدا ، وكان الرشيد حبسه ثم أطلقه ، ثم طلبه لما بلغه كثرة شيعته من الزيدية ، فاستتر ، فلم يزل في الاستتار ستين سنة ؛ فلما قتل المتوكل وقام بعده المنتصر ، وبلغه عطفه على العلوية وإحسانه إليهم ، أراد أحمد بن عيسى أن يظهر نفسه ، فاعتلّ وتوفي بالبصرة .
قيل : ماتت ابنة لأحمد بن عيسى فوجد بها وجدا شديدا ، فقيل له في ذلك ، فقال : إني أعلّم الناس الصبر وآمرهم به ، وما أنسيته ولا أغفلته ، وليس جزعي لموتها ، ولكني لا أخبر الذكر من أولادنا بنسبه حتى يبلغ خمس عشرة سنة ؛ لئلا تبدر منه بادرة يظهر علينا ، ولا الأنثى حتى تبلغ عشرين سنة ، وإن
نثر الدر في المحاضرات — صفحة 263
مساهمون: خالد عبد الغني محفوظ
ص٢٦٣