تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الدر في المحاضرات — صفحة 261

مساهمون:

ص٢٦١
صاحب أبي السرايا . خطب حين انتهب أبو السرايا قصر العباس بن موسى بن عيسى ، فقال : أما بعد ، فإنه لا يزال يبلغني أنّ القبائل منكم تقول : إنّ بني العباس فيء لنا ، نخوض في دمائهم ، ونرتع في أموالهم ، ويقبل قولنا فيهم ، وتصدق دعوانا عليهم ، حكم بلا علم ، وعزم بلا رويّة . عجبا لمن أطلق بذلك لسانه ، أو حدّث به نفسه ! أبكتاب اللّه حكم أم سنة نبيّه صلى اللّه عليه اتبع ؟ أو بسط يدي له بالجور أمّل ؟ هيهات هيهات ، فاز ذو الحقّ بما نوى ، وأخطأ طالب ما تمنّى ، حقّ كلّ ذي حقّ في يده ، وكلّ مدّع على حجته ، ويل لمن اغتصب حقّا ، وادعى باطلا ، فلح من رضي بحكم اللّه ، وخاب من أرغم الحقّ أنفه . العدل أولى بالأثرة وإن رغم الجاهلون ، حقّ لمن أمر بالمعروف أن يجتنب المنكر ، ولمن سلك سبيل العدل أن يصبر على مرارة الجور ، كلّ نفس تسمو إلى همتها . ونعم الصاحب القناعة . أيها الناس ؛ إن أكرم العبادة الورع ، وأفضل الزاد التقوى ؛ فاعملوا في دنياكم ، وتزوّدوا لآخرتكم .
اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ
[ آل عمران : الآية 102 ] . وإياكم والعصبية وحمية الجاهلية ؛ فإنهما تمحقان الدين ، وتورثان النّفاق ، خلّتان ليستا من ديني ولا دين آبائي رحمة اللّه عليهم . تعاونوا على البرّ والتّقوى ، ولا تعاونوا على الإثم والعدوان ، يصلح لكم دينكم وتحسن المقالة فيكم . الحقّ أبلج ، والسبيل منهج ، والباطل لجلج ، والناس مختلفون ، ولكلّ في الحقّ سعة ، من حاربنا حاربناه ، ومن سالمنا سالمناه ، والناس جميعا آمنون إلا رجلا نصب لنا نفسه ، وأعان علينا بماله ، ولو شئت أن أقول : ورجل قال فينا يتناول من أعراضنا قلت ؛ ولكن حسب امرئ ما اكتسب ، وسيكفي اللّه .
هامش
وكان القائم بأمره وتدبير الحرب بين يدي أبو السرايا السري بن منصور الشيباني ، ومرض في السنة نفسها ومات ، فجأة ، ويقال إن أبا السرايا سمّه . ( انظر : البداية والنهاية 10 / 258 - 259 ) .
نثر الدر في المحاضرات — صفحة 261 | خالد عبد الغني محفوظ / أبو سعد منصور بن الحسين الآبي