تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الدر في المحاضرات — صفحة 264

مساهمون:

ص٢٦٤
هذا الصّبيّة توفّيت ولها ستّ عشرة سنة ، ولم تعلم النسب بينها وبين رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ولم يقع بأس منها فأخبرها ، حتى ماتت وهي لا تعلم بذلك ؛ فلهذا غمّي وأسفي . وأنشد : [ الوافر ]
أليس من العظائم أن يورّى * حذار النّاس عن نسب كريم
يعمّر ذو الفخار وليس يدري * أيعزى للأغرّ أو البهيم
يذلّ بنو النبيّ حذار ظلم * ويحوي العزّ ذو النسب اللئيم
قال الصولي : كنت يوما مع الغلابي ، ونحن نقصد المربد ، فمررنا بدرب يعرف بدرب الحريق ، فقال لي : أتدري لم سمّي هذا بدرب الحريق ؟ قلت : لا . قال : كان هذا الدرب يسمّى المعترض ، فجلس اثنان على دكان بين يدي الدرب مما يلي المربد ، فطالب أحدهما صاحبه بمائة دينار دينا له عليه ، والرجل المطالب معترف ، وهو يقول : يا هذا : لا تمض بي إلى الحاكم ؛ فإني قد تركت في منزلي أطفالا قد ماتت أمّهم ، لا يهتدون لشرب الماء إن عطشوا ، وإن تأخرت عنهم ساعة ماتوا ، وإن أقررت عند الحاكم حبسني فتلفوا ؛ فلا تحملني على يمين فاجرة ، فإني واللّه أحلف لك ثم أعطيك مالك ، وصاحبه يقول له : لا بدّ من تقديمك وحبسك أو تحلف . فلما كثر هذا منهما إذا صرّة قد سقطت بينهما ، ومعها رقعة : يا هذا ، خذ هذه المائة الدينار التي لك قبل الرجل ، ولا تحمله على الحلف كاذبا ، وليكن جزاء هذا أن تكتماه فلا يعلم به غيركما ، ولا تسألا عن فاعله ، فسرّا بذلك جميعا وافترقا ، فند الحديث من أحدهما فشاع ، فقيل : ما يفعل هذا الفعل إلا أحمد بن عيسى ، فقصدوا الدار لطلبه فوجدوا آثارا تدلّ على أنه كان فيها وتنحّى ، وهرب صاحب الدار ، فأحرق السلطان الدار ، فسمّي منذ ذاك درب الحريق . كان أبو السرايا لما مات محمد بن إبراهيم بن طباطبا أقام مقامه محمد بن محمد بن زيد فلما ظفر به حمل إلى مرو إلى المأمون ، فأظهر إكرامه وعجب من صغر سنّه ، وحبسه حبسا جميلا ، فقيل له : كيف رأيت صنيع ابن عمك أمير المؤمنين في ظفره وقدرته . فقال : واللّه لقد أغضى عن العورة ، ونفّس الكربة ، ووصل الرحم ، وعفا عن الجرم وحفظ النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - في ولده ، واستوجب