تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نثر الدر في المحاضرات — صفحة 255

مساهمون:

ص٢٥٥
ناصحا كما تحذر عداوة العاقل إذا كان لك عدوّا ؛ فيوشك الجاهل أن يورّطك بمشورته في بعض اغترارك ، فيسبق إليك مكر العاقل ومورّط الجاهل ، وإياك ومعاداة الرجال ؛ فإنه لا يعدمك منها مكر حليم ومفاجأة جاهل . قال بعضهم : إني لعند عبد اللّه بن حسن - رضي اللّه عنه - وهو واقف على نهاية ما يكون من الخوف والجزع من مروان بن محمد إذا استأذن أبو عديّ الأموي الشاعر فأدخل ، فبشّره بأن البيعة قد وقعت بالكوفة لعبد اللّه بن محمد أبي العباس السفاح ، فوهب له عبد اللّه أربعمائة دينار ، ودفع إليه ابناه إبراهيم ومحمد مثلها ، ودفعت إليه أمّهما مائتي دينار فانصرف بألف دينار . وقال السفّاح يوما لعبد اللّه : أما وعدتني أن تحضر ابنيك محمدا وإبراهيم ؟ قال : واللّه ما أعلم علمهما . وأعلم منّي بأمرهما عمّهما حسن بن حسن . وكان حسن قد قال لعبد اللّه : إذا سألك عنهما فارم بأمرهما إليّ ، فوجّه أبو العباس إلى حسن : إن أخاك زعم أن علم ابنيه عندك ، وما أريدهما إلّا لما هو خير لهما ، فوجّه إليه حسن : يا أمير المؤمنين ، لم تنقص معروفك عند هذا الشيخ ؟ وقد علمت أنه إن كان في قدر اللّه أن يلي ابناه أو أحدهما شيئا من هذا الأمر لم ينفعك ظهورهما ، وإن كان لم يقدّر ذلك لم يضرّك استتارهما . فقال أبو العباس : صدق واللّه حسن ، لا ذكرتهما بعد هذا وأمسك عن طلبهما . ولما أخرج المنصور عبد اللّه بن حسن وأهل بيته من المدينة مقيّدين على جمال في محامل أعري كلّ واحد منهم يعادله جنديّ ، وقعت عين عبد اللّه على أبي جعفر في الطريق فناداه : يا أبا جعفر ؛ ما هكذا فعلنا بأسرائكم يوم بدر . وكان عبد اللّه يقول في الحبس : اللهمّ إن كان هذا من سخطك فاشدد عليّ حتّى ترضى ؛ فبلغ ذلك جعفر الصادق - رضي اللّه عنه - فقال : رحم اللّه أبا محمّد ؛ أما إنّه لو سأل ربّه العافية كان خيرا له . ومن كلام عبد اللّه : المراء يفسد الصداقة القديمة ، ويحلّ العقدة الوثيقة ، وأقلّ ما فيه أن تكون المغالبة أشد أسباب القطيعة .