وقال له أبو حنيفة « 1 » : يا أبا عبد اللّه ، ما أصبرك على الصّلاة ! فقال : يا نعمان ، أما علمت أنّ الصلاة قربان كلّ تقيّ ، وأن الحج جهاد كلّ ضعيف ، ولكلّ شيء زكاة ، وزكاة البدن الصيام ، وأفضل الأعمال انتظار الفرج من اللّه ، والداعي بلا عمل كالرّامي بلا وتر ؛ فاحفظ هذه الكلمات : يا نعمان ، استنزلوا الرّزق بالصّدقة ، وحصّنوا الأموال بالزّكاة ، وما عال امرؤ اقتصد ، والتقدير نصف العيش ، والتّؤدة نصف العقل ، والهمّ نصف الهرم ، وقلّة العيال أحد اليسارين ، ومن أحزن والديه فقد عقّهما ، ومن ضرب بيديه على فخذيه عند المصيبة أحبط أجره ، والصنيعة لا تكون صنيعة إلا عند ذي حسب ودين ، واللّه ينزل الرّزق على قدر المئونة ، وينزل الصبر على قدر المصيبة ، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطيّة ، ولو أراد اللّه بالنملة خيرا ما أنبت لها جناحين .
وقيل له : ما بلغ من حبّك لموسى ؟ قال : وددت أن ليس لي ولد غيره كيلا يشركه في حبّي أحد .
وقال : ثلاثة أقسام باللّه إنّها لحقّ ، ما نقص مال من صدقة ولا زكاة ، ولا ظلم أحد بظلامة فقدر أن يكافئ بها وكظمها إلّا أبدله اللّه مكانها عزّا ، ولا فتح عبد على نفسه باب مسألة إلّا فتح اللّه عليه باب فقر .
وقال : ثلاثة لا يزيد اللّه المرء المسلم بها إلا عزّا : الصفح عمّن ظلمه ، والإعطاء لمن حرمه ، والصلة لمن قطعه .
هامش
( 1 ) الإمام أبو حنيفة : هو النعمان بن ثابت بن كاوس بن مزهر مرزبان بن بهرام ، الإمام الأعظم المجتهد الأقدم ، أبو حنيفة الكوفي البغدادي ، أحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة ، ولد بالكوفة سنة 80 ه ، وتوفي ببغداد سنة 150 ه ، من تصانيفه : « رسالته إلى عثمان البتي قاضي البصرة » . « الفقه الأكبر » مشهور وعليه شروحه . « كتاب الرد على القدرية » ، « كتاب العلم والمتعلم » ، « المسند » في الحديث . ( انظر ترجمته في : كشف الظنون 6 / 495 ، الطبقات الكبرى لابن سعد 6 / 348 ، 7 / 233 ، كتاب الثقات لابن حبان 5 / 569 ، البداية والنهاية 10 / 111 - 112 ، الأعلام للزركلي 8 / 36 ، تاريخ بغداد 13 / 323 ، وفيات الأعيان 2 / 163 ، النجوم الزاهرة 2 / 12 ، الجواهر المضية 1 / 26 ، نزهة الجليس 2 / 176 ، تاريخ الخميس 2 / 326 ، مفتاح السعادة 2 / 63 ، دائرة المعارف الإسلامية 1 / 330 ، مرآة الجنان 1 / 309 ، شذرات الذهب 1 / 227 ، كتاب الوفيات 130 ) .