وقيل له : إن أبا جعفر المنصور لا يلبس منذ صارت إليه الخلافة إلا الخشن ، ولا يأكل إلا الجشب « 1 » ، فقال : لم يا ويحه ؟ مع ما قد مكّن اللّه له من السلطان وجبى إليه من الأموال ، فقيل له : إنما يفعل ذلك بخلا وجمعا ، فقال : الحمد للّه الذي حرمه من دنياه ؛ ما له ترك دينه ؟
لما قال الحكيم بن عياش الكلبي : [ الطويل ]
صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة * ولم أر مهديّا على الجذع يصلب « 2 »
وقستم بعثمان عليّا سفاهة * وعثمان خير من عليّ وأطيب
بلغ قوله أبا عبد اللّه - رضي اللّه عنه - فرفع يديه إلى السماء وهما ترعشان ، فقال : اللهمّ إن كان عندك كاذبا فسلّط عليه كلبك ، فبعثه بنو أمية إلى الكوفة فافترسه الأسد ، واتّصل خبره بالصادق - رضي اللّه عنه - فخرّ للّه ساجدا ثم قال : الحمد للّه الذي أنجزنا ما وعدنا .
وقال لأبي ولاد الكاهلي : أرأيت عمّي زيدا ؟ قال : نعم ، رأيته مصلوبا ، ورأيت الناس فيه بين شامت حنق ، وبين محزون محترق ؛ فقال : أما الباكي فمعه في الجنّة ، وأما الشامت فشريك في دمه .
وقال : إذا أقبلت الدنيا على المرء أعطته محاسن غيره ، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه .
ومرّ به رجل وهو يتغدّى فلم يسلّم ، فدعاه إلى الطعام ، فقيل له : السّنّة أن يسلّم ثم يدعى ، وقد ترك السلام على عمد ، فقال : هذا فقه عراقيّ فيه بخل .
وقال : القرآن ظاهره أنيق وباطنه عميق .
وقال : من أنصف من نفسه رضي حكما لغيره .
وقال : أكرموا الخبز ؛ فإنّ اللّه تعالى أنزل له كرامة . قيل : وما كرامته .
هامش
( 1 ) الجشب : الخشن من الطعام .
( 2 ) البيتان في العقد الفريد 4 / 483 .