وقال في خطبته بالبصرة : يا أهل البصرة يا أهل المؤتفكة ائتفكت بأهلها ثلاثا وعلى اللّه تمام الرابعة . يا جند المرأة ، وأعوان البهيمة ، رغا فأجبتم وعقر فتفرّقتم .
وخطب فقال : انظروا إلى الدّنيا نظر الزّاهدين فيها ؛ فإنّها واللّه عن قليل تزيل الثّاوي الساكن ، وتبخع المترف الآمن ، لا يرجع ما تولّى منها فأدبر ، ولا يدرى ما هو آت منها فينتظر ، سرورها مشوب بالحزن ، وآخر الحياة فيها إلى الضّعف والوهن ، فلا يغرّنّكم كثرة ما يعجبكم فيها لقلّة ما يصحبكم منها . رحم اللّه رجلا تفكّر فاعتبر ، فأبصر إدبار ما قد أدبر ، وحضور ما حضر ؛ فكأنّ ما هو كائن في الدّنيا لم يكن ، وكأنّ ما هو كائن في الآخرة لم يزل .
وقال جندب « 1 » : دخلنا عليه فقال : أما إنكم ستلقون بعدي ثلاثا ؛ ذلّا شاملا ، وسيفا قاتلا ، وأثرة يتّخذها الظالمون عليكم سنّة ، فتودّون عند ذلك لو رأيتموني فنصرتموني وقاتلتم دوني ، لا يبعد اللّه إلّا من ظلم ! .
فكان جندب بعد ذلك إذا رأى شيئا مما يكره يبكي ويقول : أبعد اللّه الظالم .
وقال في خطبة له : وأيم اللّه إنكم لو قد رأيتم الموت لانفرجتم عن عليّ بن أبي طالب انفراج المرأة عن قبلها ؛ فقال له رجل : أفلا كما فعل عثمان ، فقال : إن الذي فعل عثمان مجزاة لمن لا نصرة له ، ولا حجّة معه ، فأما وأنا على بيّنة من ربّي ، ويقين وعهد من نبيّي كلّا واللّه : إن امرأ يمكن من نفسه عدوّه فيهشم عظمه ، ويفري جلده لعظيم عجزه ، ضعيف ما ضمّت عليه الأحشاء من صدره ، وأنت فكن ذاك إن شئت . فأمّا أنا فو اللّه لأعطينّ دون ذلك ضربا بالمشرفيّ تطير له فراش الهام « 2 » ، واللّه يفعل ما يشاء .
هامش
( 1 ) هو جندب بن زهير بن الحارث الأزدي ، وفد على رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع قومه وأسلم ، وكان مع علي بن أبي طالب في يومي الجمل وصفين ، اختلف في سنة وفاته ( انظر : الإصابة 1 / 259 ) .
( 2 ) فراش الهام : هي العظام الرقاق التي تلي قحف الرأس .