أما بعد ، فإن معصية الشيخ العالم المشفق المجرّب تورث الحسرة ، وتعقب النّدامة ، وقد كنت أمرتكم في هذه الحكومة بأمري ، ونخلت لكم رأيي لو كان يطاع لقصير أمر ! ولكنكم أبيتم ، وكنت أنا وأنتم كما قال أخو هوازن :
[ الطويل ]
أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى * فلم يستبينوا النصح إلا ضحى الغد « 1 »
فلما عصوني كنت فيهم وقد أرى * غوايتهم أو أنّني غير مهتد
ألا إنّ هذين الرّجلين اخترتموهما حكمين ، وقد نبذا حكم القرآن وراء ظهورهما فأماتا ما أحيا القرآن ، وأحييا ما أمات ، واتّبع كلّ واحد منهما هواه ، يحكم فيه بغير حجّة بيّنة ، ولا سنّة ماضية ، واختلفا في حكمهما ، فكلاهما لم يرشده اللّه ، استعدّوا للجهاد ، وتأهّبوا للسير ، وأصبحوا في معسكركم يوم كذا .
وخطب فقال : أما بعد ؛ يا أهل الكوفة فإنّ أهل الشّام لو قد طلعوا عليكم أغلق كلّ امرئ منكم بابه ، وانجحر في بيته انجحار الضّبّ في جحره والضّبع في وجارها الذّليل ، واللّه ما نصرتم ، ومن رمى بكم رمى بأضعف سهم . أفّ لكم ! لقد لقيت منكم برحا ، يوما أناديكم ويوما أناجيكم ، فلا أحرار عند النّداء ، ولا أنجاد اللّقاء ، أنا للّه ممّا منيت به منكم ، صمّ لا تسمعون ، بكم لا تعقلون ، كمه لا تبصرون ، والحمد للّه ربّ العالمين .
وكتب إلى سهل بن حنيف « 2 » وهو عامله على المدينة : بلغني أن رجالا يخرجون إلى معاوية ؛ فلا تأسف على ما فاتك منهم ؛ فكفى لهم غيّا فرارهم من الحقّ والهدى ، وإيضاعهم في الجهالة والعمى ؛ إنّما هم أهل دنيا ، مكبّون عليها ، قد علموا أنّ في الحقّ أسوة فهربوا منه إلى الأثرة : فبعدا لهم وسحقا ،
هامش
( 1 ) البيتان لدريد بن الصمة في ديوانه ص 61 ، وأساس البلاغة ( أمر ) .
( 2 ) هو سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم الأنصاري ، بدري سكن الكوفة ، شهد المشاهد مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، شايع عليّا وشهد معه صفين وولاه الكوفة وبلاد فارس توفي بعد صفين سنة 38 ه بالكوفة ، وصلى عليه علي بن أبي طالب وكبّر عليه أربعا . ( انظر : كتاب الثقات لابن حبان 3 / 169 - 170 ، الطبقات الكبرى لابن سعد 3 / 358 ، 6 / 93 ، أسد الغابة 2 / 365 ) .