سفوحان « 102 » تفترّ المكارم عنهما * كما الغيث مفتر عن البرق والرّعد
فقال البحتري « 103 » :
يوليك صدر اليوم قاصية الغنى * بمواهب « 104 » قد كنّ أمس مواعدا
سوم السحائب ما بدأن بوارقا * في عارض إلا ثنين « 105 » رواعدا
لم يحسن أخذ المعنى ؛ لأنّ أبا تمام جعل الوعد مكان البرق والرعد اللذين يدلّان على الغيث ، وأقام النائل مقام الغيث . والبحتري قال : « إلا انثنين « 106 » رواعدا » .
وقد ذكر مثل هذا في موضع آخر ، قال أبو تمام « 107 » :
يستنزل الأمل البعيد ببشره * بشرى المخيلة بالربيع المغدق
وكذا السحائب قلّ ما تدعو إلى * معروفها الرّواد ما لم تبرق
[ 208 ] فأخذه البحتري أخذا قبيحا ، وأتى بمحال واضطراب شديد ، فقال « 108 » :
ضحكات في إثرهنّ العطايا * وبروق السحاب قبل رعوده
فحبيب إنما شبّه البشر بالبرق الذي هو دليل على الغيث ، ثم أقام العطاء من بعد البشر مقام الغيث ؛ فأما الرعود فليس لذكرها في هذا الموضع معنى ؛ بل الرعود مكروهة لا يؤمن من الآفات فيها بالصواعق والبرد ، وما علمنا أحدا وصفها فأقامها مقام المطر غيره .
وسرقات البحتري من أبى تمام نحو خمسمائة بيت ؛ وإنما ذكرنا منهما في هذا الموضع ما قصّر فيه البحتري عن مدى أبى تمام أو شاركه في عيبه .
حدثني أحمد بن محمد بن زياد ، قال : سألت أبا الغوث عن السبب في خروج أبيه عن بغداد ؛ فقال لي : كان أبى قد قال في قصيدته التي رثى فيها أبا عيسى بن صاعد -
هامش
( 102 ) في الديوان : دلوحان . وفي القاموس : سحابة دلوح : كثيرة الماء .
( 103 ) ديوانه 2 - 164 ، أخبار أبى تمام 75 ، ديوان المعاني 2 - 307 .
( 104 ) في الديوان : بعوائد . وفي أخبار أبى تمام : بفوائد .
( 105 ) في الأصل اثنين ، والمثبت في الديوان وأخبار أبى تمام ، وسيأتي بعد سطر : واحد انثنين .
( 106 ) هذا بالأصل . وانظره مع ما سبق في رواية البيت .
( 107 ) ديوانه 160 ، وقد سبق .
( 108 ) ديوانه 2 - 118 ، أخبار أبى تمام 74 ، ديوان المعاني 2 - 307 ، الموازنة 155 .