لو كنتم أهل قتال وأنتم قوم عرب ؟ قالوا : آثرنا الخمر والخنزير ورضى منا جيراننا بذلك - يعنون أهل فارس - فصالحهم على ستين ألفا ورحل . فكانت أول جزية حملت من أرض المشرق ، وأول مال قدم به من المشرق على أبى بكر الصديق رضى اللّه تعالى عنه . قال : وكتب إلى مرازبة أهل فارس كتابا ودفعه إلى بنى بقيلة :
« بسم اللّه الرحمن الرحيم . من خالد بن الوليد إلى رستم ومهران ومرازبة فارس .
سلام على من اتبع الهدى ، فانى أحمد إليكم اللّه الذي لا اله إلا هو [ وأن محمدا عبده ورسوله ] « 1 » أما بعد : فالحمد للّه الذي فضّ خدمتكم وفرق جمعكم وخالف بين كلمتكم وأوهن بأسكم وسلب ملككم ، فإذا جاءكم كتابي هذا فابعثوا إلىّ بالرهن ، واعتقدوا منى الذمة ، واجبوا إلىّ الجزية ، فإن لم تفعلوا فو اللّه الذي لا إله إلا هو لأسيرن إليكم بقوم يحبون الموت كحبكم الحياة . والسلام على من اتبع الهدى »
ثم إن خالدا مضى إلى قرية أسفل الفرات يقال لها بانقيا وفيها مسلحة لكسرى في حصن لهم فحاصرهم فافتتح الحصن وقتل من فيه من الرجال وسبى نساءهم وذراريهم وأخذ ما كان فيه من المتاع والسلاح وأحرق الحصن وهدمه ، فلما رأى ذلك أهل القرية طلبوا الصلح منه على أداء الجزية ، فكان ولى الصلح عنهم هانئ بن جابر الطائي فصالحه عنهم على ثمانين ألف درهم ، ثم سار حتى نزل بانقيا على شط الفرات ، فقاتلوه ليلة إلى الصباح وحاصرهم واشتد قتالهم فافتتحها بقوة اللّه تعالى وعونه ، وفيها أساورة كان كسرى صيّرهم فيها فقتلهم وسبى ذراريهم ونساءهم وأحرق الحصن وهدمه فلما رأى أهل بانقيا ذلك طلبوا الصلح منه فأعطاهم . ثم بعث جرير بن عبد اللّه إلى قرية بالسواد ، فلما أقحم جرير الفرات ليعبر إلى أهل القرية ، ناداه دهقانها صلوبا :
لا تعبر ، أنا أعبر إليك ، فعبر اليه فصالحه على مثل ما صالحه عليه أهل بانقيا وأعطاه الجزية . وصالحه أهل ما روسما وما حولها من القرى على ما صالحه عليه أهل الحيرة .
ثم إن خالدا رجع إلى النجف فاستبطن بطن النجف وأخذ الأدلّاء من أهل الحيرة حتى انتهى إلى عين التمر فنزل بعين التمر وبها رابطة لكسرى في حصن فحاصرهم حتى
هامش
( 1 ) ما بين المربعين في التيمورية .