لان يقاتلهم أحد أو يخرج إليهم فلم يروا أحدا يخرج إليهم ولا يريد قتالهم ، فأشرف ولدان من فوق القصر ، فأرسل خالد رجلا من كبار أصحابه إلى القصر الأبيض فوقف ثم قال لمن كان قد أشرف : يخرج الىّ رجل منكم أكلمه . فاطلع اليه رجل منهم ، فقال وهو آمن حتى يرجع ؟ فقال : نعم . فنزل اليه عبد المسيح بن حيان بن بقيلة وهو شيخ كبير قد سقط حاجباه على عينيه وخرج اليه اياس بن قبيصة الطائي وكان والى الحيرة من قبل كسرى ولاه بعد النعمان بن المنذر ، فأتوا خالدا فقال لهم : أدعوكم إلى اللّه وإلى الاسلام ، فان أنتم فعلتم فلكم ما للمسلمين وعليكم ما عليهم ، وان أبيتم فاعطوا الجزية ، فان أبيتم فقد أتيتكم بقوم هم أحرص على الموت منكم على الحياة . قال : وفي يد ابن بقيلة السم ، قال فقال له خالد : ما هذا ؟ قال هذا السم فان أنت أعطيتني ما أريد والا شربته فلا أرجع إلى قومي بما لا يحبون ، قال فأخذه خالد من يده وقال : بسم اللّه الذي لا يضر مع اسمه شيء في الأرض ولا في السماء . ثم ابتلعه قال : فرجع إلى قومه وقال لهم : جئتكم من عند قوم لا يعمل فيهم السم . قال فقال له اياس بن قبيصة : ما لنا في حربك من حاجة وما نريد أن ندخل معك في دينك ، نقيم على ديننا ونعطيك الجزية . فصالحه على ستين ألفا « 1 » ورحل على أن لا يهدم لهم بيعة ولا كنيسة ولا قصرا من قصورهم التي كانوا يتحصنون فيها إذا نزل بهم عدو لهم ولا يمنعون من ضرب النواقيس ولا من إخراج الصلبان في يوم عيدهم وعلى أن لا يشتملوا على تغبة « 2 » وعلى أن يضيفوا من مر بهم من المسلمين مما يحل لهم من طعامهم وشرابهم . وكتب بينهم هذا الكتاب :
« بسم اللّه الرحمن الرحيم . هذا كتاب من خالد بن الوليد لأهل الحيرة ، أن خليفة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم أبا بكر الصديق رضى اللّه تعالى عنه أمرني أن أسير بعد منصرفى من أهل اليمامة إلى أهل العراق من العرب والعجم بأن أدعوهم إلى اللّه جل ثناؤه وإلى رسوله عليه السلام وأبشرهم بالجنة وأنذرهم من النار فان أجابوا فلهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين . وإني انتهيت إلى الحيرة فخرج إلى إياس بن قبيصة الطائي في أناس من أهل الحيرة من رؤسائهم ، وإني دعوتهم إلى اللّه وإلى
هامش
( 1 ) في التيمورية « تسعين ألفا » .
( 2 ) التغبة بسكون الغين القبيح والريبة ، وبالتحريك الفساد والهلاك .