ولعمري إنّ الشوق ليقرّب البعيد ، ويبعّد القريب ، ويحضر الغائب ، ويغيّب الحاضر ، ولكنه نوع خديعة ، يسفر عن سراب بقيعة « 1 » ، وطريق تخيّل ، يصير إلى سريع تزيّل ، وطروق خيال وطيف ، يحيل بالسّقيا على سحابة صيف ، والشفاء كلّ الشفاء في « 2 » حقيقة اللقاء ، وإن كنّا كما قيل « 3 » :
بكلّ تداوينا فلم يشف ما بنا * على أنّ قرب الدار خير من البعد « 4 »
فها أنا أنظر إلى وجه الأيام كيف اسودّت ، وأتأمل الأحوال كيف تقلّبت ، والأمور كيف تغيّرت وتبدّلت ، فغرب نجم السرور وغار ماؤه ، وتنغّص طيب العيش وتكدّر صفاؤه ، ولا أترنّم إلا بقول الطائي « 5 » :
أأيامنا ما كنت إلا مواهبا * وكنت بإسعاف « 6 » الحبيب حبائبا
سنغرب تجديدا لعهدك في البكا * فما كنت في الأيام إلا غرائبا
هذا ، ووصل كتابك بعد عهد بعيد ، وتطلّع إليه شديد ، فبشّر من خبر سلامته بما أعاد اليوم عيدا ، والجدّ سعيدا ، والسعد قريبا « 7 » والنحس بعيدا ،
فلو أطاقت من الإعظام تنشره * نواظر العين ما مكّنت منه يدي
جمعت الأماني « 8 » فكانت نجوما ، وكان بدرها « 9 » ، ونظمت اللذات « 10 » فكانت عقودا ، وكان واسطتها ، فجعلته « 11 » نصب عيني ، أتسلّى به عند استيلاء الشّوق على قلبي ، وأطفئ بتأمّله نيران الوجد إذا التهبت في صدري ، وسررت به سرور من وجد ضالّة عمره ، وأدرك جميع
هامش
( 1 ) القيعة : جمع القاع وهي الأرض المطمئنة المنبسطة ، وفيها يكون السراب نصف النهار ، وورد في سور النور : 39 ، قوله تعالى :وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمالُهُمْ كَسَرابٍ بِقِيعَةٍ.
( 2 ) ل : « على » .
( 3 ) م : « كما قيل » ، متروك
( 4 ) البيت لابن الدمينة - ديوانه ص 82 والحماسة لأبى تمام ( ط صبيح ، القاهرة ، 1374 ه / 1955 م ) 2 / 146 ، والأغانى 17 / 104 .
( 5 ) البيتان من قصيدة لأبى تمام ( ديوانه 1 / 138 ) يمدح الحسن بن سهل .
( 6 ) د : « لاسعاف » .
( 7 ) د : « والسعد قريبا » ، سقط .
( 8 ) ل : « الأيام » .
( 9 ) م : « وكان هو بدورها » ، وفيه زيادة ليست في ل ، د .
( 10 ) د : « الأيام » .
( 11 ) م : « فحملته » .