كم غرّت الدّنيا من مخلد إليها « 1 » وصرعت من مكبّ عليها ؛ فلم تنعشه من عثرته ؟ ولم تقله من صرعته ، ولم تداوه من سقمه ، ولم تشفه من ألمه .
بلى أوردته بعد عزّ ورفعة * موارد سوء ما لهنّ مصادر
فلمّا رأى أن لا نجاة وأنّه * هو الموت لا ينجيه منه المؤازر
تندّم لو أغناه طول ندامة * عليه وأبكته الذّنوب الكبائر
بكى على ما سلف من خطاياه ، وتحسّر على ما خلّف من دنياه ، حيث لم ينفعه الاستعبار ، ولم ينجه الاعتذار .
أحاطت به أحزانه وهمومه * وأبلس لما أعجزته المعاذر « 2 »
فليس له من كربة الموت فارج * وليس له ممّا يحاذر ناصر
وقد خسئت فوق المنيّة نفسه * تردّدها منه اللّهى والحناجر
فإلى متى ترقّع بآخرتك دنياك ، وتركب في ذاك هواك ؟ إنّي أراك ضعيف اليقين ، يا راقع الدّنيا بالدّين ، أبهذا أمرك الرّحمن ، أم على هذا دلّك القرآن ؟ .
تخرّب ما يبقى ، وتعمر فانيا * فلا ذاك موفور ، ولا ذاك عامر
فهل لك إن وافاك حتفك بغتة * ولم تكتسب خيرا لدى اللّه عاذر ؟ ؟
أترضى بأن تقضى الحياة وتنقضي * ودينك منقوص ومالك وافر ؟ ؟
قال عيسى بن هشام : فقلت لبعض الحاضرين : من هذا ؟
هامش
( 1 ) أخلد إلى الشيء : سكن إليه واطمأن .
( 2 ) أبلس : حزن .