خلت دورهم منهم وأقوت عراصهم * وساقتهم نحو المنايا المقادر « 1 »
وخلّوا عن الدّنيا وما جمعوا لها * وضمّتهم تحت التّراب الحفائر « 2 »
كم اختلست أيدي المنون ، من قرون بعد قرون ؟ وكم غيّرت ببلاها ، وغيّبت أكثر الرّجال في ثراها ؟ ؟ ؟
وأنت على الدّنيا مكبّ منافس * لخطّابها فيها حريص مكاثر « 3 »
على خطر تمشي وتصبح لاهيا * أتدري بما ذا لو عقلت تخاطر ؟
وإنّ امرأ يسعى لدنياه جاهدا * ويذهل عن أخراه لا شكّ خاسر
انظر إلى الأمم الخالية ، والملوك الفانية ، كيف انتسفتهم الأيام ، وأفناهم الحمام « 4 » ؟ فانمحت آثارهم ، وبقيت أخبارهم .
فاضحوا رميما في التّراب وأقفرت * مجالس منهم عطّلت ومقاصر
وخلّوا عن الدّنيا وما جمعوا بها * وما فاز منهم غير من هو صابر
وحلوا بدار لا تزاور بينهم * وأنّى لسكّان القبور التّزاور
فما إن ترى إلّا رموسا ثووا بها * مسطّحة تسفي عليها الأعاصر « 5 »
كم عاينت من ذي عزّة وسلطان ، وجنود وأعوان ، قد تمكّن من
هامش
( 1 ) أقوت : خلت . عراص : جمع عرصة وهي باحة الدار .
( 2 ) الحفائر : جمع حفرة ويعني بها القبر .
( 3 ) المعنى : أنك مقبل على الدنيا تنافس أو تباري الآخرين في الأعمال والمال .
( 4 ) انتسفتهم : أهلكتهم . وأفناهم الحمام : أفناهم الموت وأبادهم .
( 5 ) الرموس : جمع رمس أي القبر . ثووا بها : رقدوا وأقاموا . الأعاصير : الرياح الشديدة .