استوفى منه حظه وادخره لنفسه ، ثم يستأنف مثله إلى الصباح ، وهكذا إذا أصبح .
ولا يتيسر هذا الا لمن قلبه فرغ عن الغد وما يكون فيه ، فمثل هذا إذا مات سعد وغنم ، وان عاش سر بحسن الاستعداد ولذة المناجاة ، فالموت له سعادة والحياة له مزيد .
المطلب الثاني دواهي الموت وهي أربع : الأولى في شدة النزاع :
واعلم : أن الألم المصيب للبدن انما يدرك بواسطة الروح ، وإذا وصل الألم إلى نفس الروح فلا تسل عن كربه وألمه ، حتى قالوا : أنه أشد من ضرب بالسيف ونشر بالمناشير وقرض بالمقاريض ، وانما لا يقدر على الصياح مع شدة ألمه لزيادة الكرب ، حيث قهر كل قوة وضعف كل جارحة فلم يبق له قوة الاستغاثة ، أما العقل فقد غشيه وشوشه ، وأما اللسان فقد أبكمه ، وأما الأطراف فقد ضعفها ، حتى أن بقيت فيه قوة سمعت له خوارا وغرغرة من صدره وحلقه ، حتى يبلغ بها إلى الحلقوم ، فعند ذلك ينقطع نظره عن الدنيا وأهلها ، وتغلق دونه أبواب التوبة ، وتحيط به الحسرة والندامة ، قال صلى اللّه عليه وسلم : « تقبل توبة العبد ما لم يغرغر » . فلا تسل عن عظم مرارة الموت وكربه عند ترادف سكراته ، ولذلك كان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يقول : « اللهم هون على محمد سكرات الموت » . والناس انما لا يستعيذون منه ولا يستعظمونه لجهلهم به حتى أن الأنبياء لمعرفتهم به يخافون من ذلك خوفا شديدا .
الثانية : مشاهدة صورة ملك الموت ودخول الروع منه على القلب ، فلو رأى صورته التي يقبض عليها روح العبد المذنب أعظم الرجال قوة لم يطق رؤيته ، الا أن المطيع يراه في أحسن صورة وأجملها .