النجاة ، ولذلك قال صلى اللّه عليه وسلم : « أكثروا من ذكر هادم اللذات » ؛ أي : نغصوا بذكره اللذات حتى ينقطع ركونكم إليها فتقبلون على اللّه .
وما ورد في فضيلة الموت من الأخبار والآثار كثيرة جدا فلا نطول بذكرها الكلام .
الا أن ذكر الموت انما يؤثر في القلوب لذكرهم إياه بظاهر قلوبهم وعذبة ألسنتهم ، والا فلو ذكروه بقلب فارغ عن الشهوات ، واذعان لحال الأموات ، وإلى ما صار حاله بعد طول فرحهم وسرورهم بالدنيا وغرورهم بالجاه والمال والأعوان والأنصار ، حتى أيتموا أولادهم وأرملوا نساءهم ، وتصرف بأموالهم أيدي الناس بل أيدي أعدائهم ، وكيف خلت منهم مجالسهم وبيوتهم ، وانقطعت آثارهم ، ونسيت أسماؤهم ، لأثر ذكر الموت في قلوبهم وجعلوه نصب أعينهم .
ثم إن قصر الأمل ديدن العلماء وأرباب القلوب ، وفضيلته مذكورة في الأخبار والآثار ، وأنه أصل كل سعادة ، الا أن القلوب مبتلون بطول الأمل ، وعمت هذه البلية الكافة .
وله سببان :
أحدهما : الجهل حيث يستبعد الموت مع الصحة والشباب ، ولا يدري أن مشايخ البلد أقل من شبانه ، وليس ذلك الا لكثرة الموت في الشبان ، والصبيان أكثر ، فإلى أن يموت شيخ يموت ألف صبي وخمسمائة شاب .
وأيضا : لا يدري أن الموت وان لم يكن فجأة لكن المرض فجأة غير بعيد ، ذلك لأن الوهم لا يعرف ما لم يألفه ، فالانسان ألف موت غيره ولم ير موت نفسه أصلا فلذلك يستبعده . الا أن من له عقل يعرف أن الأجل قدر ، والانسان كل يوم وساعة في القرب اليه ، وكل آت قريب .
وثانيهما : حب الدنيا ، فإنه أنس بشهواتها فيشق عليه مفارقتها ، وكل من كره شيئا دفعه عن نفسه ، ويتمنى ما يوافق هواه ، فلا يزال يتوهم البقاء في
مفتاح السعادة ومصباح السيادة في موضوعات العلوم — صفحة 556
مساهمون: أحمد بن مصطفى بطاش كبرى زاده
ص٥٥٦