والحق الذي نطقت به الآيات والأخبار أن الموت تغير حال لا عدم وان الروح باقية بعد مفارقة الجسد اما معذبة أو منعمة ، ومعنى مفارقتها للجسد :
انقطاع تصرفها في الجسد ، ولا يبعد أن تعاد إلى الجسد في القبر قدر ما يدرك اللذة والألم ، ولا يبعد أن يؤخر إلى يوم البعث واللّه أعلم بما حكم به على عباده .
وأما نفسه وروحه فهي باقية ، نعم تغير حالها من وجهين :
أحدهما : أنه بالموت سلب عن أمواله وأهله وسائر أحواله إلى عالم آخر لا يناسب هذا العالم ، إما سعيد الحال أو شقي البال .
وثانيهما : أنه ينكشف له ما يضره أو ما ينفعه حسناته وسيئاته والناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا ؛ فاما يتنعم أو يتألم ، وهذه أحوال تهجم عليه قبل الدفن .
وأما بعد الدفن فقد ترد روحه إما لنوع آخر من العذاب أو لنوع آخر من الثواب ، ولو لم يكن له الا الخزي والافتضاح وهتك السر عند الموت لكفاه ، ولكن وراءه أمور أخر لا يكاد يعبر عنه الألسنة .
وأما أن كان من أهل التنعيم ينكشف له عقيب الموت من سعة جلال اللّه ما تكون الدنيا بالإضافة اليه كالسجن والمضيق ، ويكون مثاله كالمحبوس في بيت مظلم ، فتح له باب إلى بستان واسع الأكناف لا يبلغ طرف أقصاه ، فيه أنواع الأشجار والأزهار والطيور والثمار فلا يشتهي العودة إلى السجن المظلم .
وفي أحوال القبر ثلاثة مقامات :
أحدها ؛ وهو الأسلم : أن يصدق بوجودها ولا يفتش عن كيفيتها .
وثانيها : أن يفتش عن أحواله ، ويقيس ذلك إلى نائم يرى في نومه ما يخافه أو يتنعم منه ، ولا يقف عليه من يجاوره ولو في فراش واحد ، ولا يخفى أن النوم أخو الموت .
وثالثها : أن الحية لا تعذب بل السم ، وكذا السم لا يعذب بل المؤلم أثره ،