ومنهم : من يأمل إلى سنة ، وانما يستعد في الشتاء للصيف وفي الصيف للشتاء ، وإذا جمع ما يكفي لسنة أشتغل بالعبادة .
ومنهم : من يأمل الصيف فقط أو الشتاء فقط فلا يستعد في أحدهما للآخر .
ومنهم : من يرجع أمله إلى يوم وليلة فلا يستعد لغد . قال عيسى عليه السلام : لا تهموا برفق غد فان يكن غد من آجالكم فيأتي فيه أرزاقكم مع آجالكم ، وان لم يكن من آجالكم فلا تهتموا لأرزاق غيركم .
ومنهم : من لا يجاوز أمله ساعته ، كما قال صلى اللّه عليه وسلم : « يا عبد اللّه إذا أصبحت فلا تحدث نفسك بالمساء ، وإذا أمسيت فلا تحدث نفسك بالصباح » .
ومنهم : من لا يقدر البقاء أيضا ساعة . كان صلى اللّه عليه وسلم يتيمم مع القدرة على الماء قبل مضي ساعة ويقول لعلي لا أبلغه » .
ومنهم : من يكون الموت نصب عينيه كأنه واقع به وهو ينتظره ، ويصلى صلاته صلاة مودع ، كما روى أنه صلى اللّه عليه وسلم سأل معاذا عن حقيقة ايمانه ، قال : ما خطوت خطوة الا ظننت أني لا أتبعها أخرى .
وهذه مراتب الناس في الأمل ، وليس من أمله مقصور على شهر كمن أمله شهر ويوم ، ودرجاتهما عند اللّه تعالى أيضا متفاوتة ، فان اللّه لا يظلم مثقال ذرة :
فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ
« 1 » .
ثم إن علامة قصر الأمل المبادرة في العمل قبل حلول الأجل ، ومن ادعى قصر الأمل وهو يعتني بالدنيا فهو كاذب في دعواه . فالتوفيق عامة أن يكون الموت نصب العين لا يغفل عنه ساعة ، فيستعد للموت الذي يرد عليه في الوقت ، فان عاش إلى المساء شكر اللّه على طاعته ، وفرح بأنه لم يضيع نهاره بل
هامش
( 1 ) سورة الزلزلة ، آية : 8 .