الدنيا وأسبابه إلى أن يتقرر عنده ذلك ولا يخطر بباله الموت ، وإذا خطر بباله الموت يسوفه إلى الكهولة ، ثم إلى الشيخوخة ، ثم إلى الرجوع من سفره ، أو إلى الفراغ من تدبير ولده ، أو جهاز ابنته ، أو قهر عدوه ، إلى غير ذلك من الأماني الباطلة .
وهكذا يفضي به شغل إلى شغل آخر أو إلى أشغال ، إلى أن تخطفه المنية في وقت لا يحبه ، فعند ذلك تعظم حسرته وندمه حين لا ينفعه الندم ، والمسكين يقدر أنه سيفرغ من أمور الدنيا ، وهيهات ما فرغ منها الا من أطرحها ، ولا يزيد التسويف الا قوة ورسوخا ، وأكثر حزن أهل النار وصياحهم من سوف ، يقولون : وا حزناه من سوف . ونعم ما قيل :
ولست بمدرك ما فات مني * بلهف ولا بليت ولا لو أني
إذا عرفت أن طول الأمل التسويف وسببه الجهل المحض أو حب الدنيا ، فاعلم : ان علاجه ان كان من الجهل يندفع بالفكر الصافي من القلب الحاضر ، وسماع الحكمة البالغة من القلوب الطاهرة ؛ وان كان من حب الدنيا فعلاجه شديد وهو الداء العضال الذي أعيا الأولين والآخرين علاجه ، ولا علاج له الا الايمان باليوم الآخر ، وبما فيه من عظيم العقاب وجزيل الثواب .
ومهما حصل له اليقين بذلك ارتحل عن قلبه حب الدنيا ، فان حب الخطير يمحو عن القلب حب الحقير ، فإذا رأى حقارة الدنيا ونفاسة الآخرة استنكف أن يلتفت إلى الدنيا كلها وان أعطى ملك الأرض من المشرق إلى المغرب . فمن كان مستعدا إلى الآخرة فقد فاز فوزا عظيما ، ومن كان مغرورا بطول الأمل فقد خسر خسرانا مبينا .
هذا ثم أن الناس متفاوتون في طول الأمل :
منهم : من يأمل البقاء ويشتهي ذلك أبدا ، قال اللّه تعالى :
يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ
« 1 » .
هامش
( 1 ) سورة البقرة ، آية : 96 .