وقد ورد القرآن بالحث على التفكر في هذه الآيات كما قال تعالى :
إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبابِ
« 1 » .
وقد ذكر اللّه سبحانه وتعالى في كثير من المواضع في القرآن قوله : « ومن آياته » كل ذلك مشتمل على العبر الكثيرة للمتفكرين .
ولنضرب لك مثالا أمكنك أن تحذو البواقي حذوه ؛ وهو : أن أقرب الأشياء إليك نفسك ، وهي مخلوقة من نطفة هي قطرة من الماء ، أخرجها رب الأرباب من بين الصلب والترائب ، ولإخراجها من صلب الرجل إلى رحم المرأة ألقى الألفة والمحبة بينهما ، وقادهما بسلسلة الشهوة إلى الاجتماع .
ثم خلق من النطفة مولودا بأن جعلها علقة وهي بيضاء مشرة ، ثم جعلها مضغة ، ثم مع تشابه أجزائها قسمها إلى العظام والأعصاب والعروق والأوتار واللحم ، ثم ركب من هذه الأعضاء الظاهرة والباطنة ، فقدر الرأس ومشق السمع والبصر والأنف والفم وسائر المنافذ ، ثم مد اليد والرجل وقسم رءوسها بالأصابع ، وقسمها بالأنامل ، ووضع فيها الأظفار . ثم ركب الأعضاء الباطنة من القلب والمعدة والكبد والطحال والرئة والرحم والمثانة ، والأمعاء ، كل واحد على شكل مخصوص بعمل مخصوص .
ثم لو ذهبنا نفصل أحوال كل منها لفنيت القوى وتحيرت النهى ؛ مثلا :
أبصار العين وطبقاتها ، وكذلك كيفية السمع والذوق ، لدهشت من عجائبها العقول . فانظر إلى الحدقة وهي مقدار عدسة كيف تحيط بنصف السماء دفعة مع عظمها ، وانظر إلى السمع : كيف يدرك الأصوات ، ويميز بين الحروف ، ويفرق بين جهات الصوت مع أن المدخل واحد ، إلى غير ذلك من العجائب .
مثلا : مجموع عظام البدن مائتا عظم وثمانية وأربعون عظما سوى العظام الصغار ، ولو تكلمنا في كل واحد منها لم نقض من حكمة واحد منها عشر أعشارها فضلا عن سائر حكمها .
هامش
( 1 ) سورة آل عمران ، آية : 19 .